ومن ذا في الدنيا كلها لم يسمع به، أو لم ينعم على ناظريه برؤية"المحلَّى"الذي صاغته يداه؟
وفي قصَّة ابن حزم من دُرَر الفوائد وغرر الدروس كثير، وأولاها بالإشارة هاهنا ما نبهتُ عليه قبل ذلك في سيرة شيخ نحاة الكوفة ومقرئيها الإمام الكسائي؛ أنَّ كبر السنِّ ليس عائقًا أبدًا عن التفوُّق العلميِّ والنبوغ فيه، ومن نوادر ما يذكر في ذلك - بعثًا للهمَّة وتقوية للعزيمة - أن الإمام"القفَّال"ذهب ليطلبَ العلم وعمره أربعون سنة، فقال: كيف أطلب العلم، ومتى أحفظ، ومتى أفهم، ومتى أعلِّم الناس؟
فرجع فمرَّ بصاحب ساقية، يسوق على البقر، وكان رشاء هذا الحبل يقطع الصخر من كثرة ما مرَّ، فقال:"أطلبه، ولا أتضجر من طلبه"، وأنشأ يقول:
اطْلُب ولا تَضجَر من مَطلَبٍ .. فآفةُ الطالب أن يَضجَرا
أما ترى الحبل بطول المدى .. على صليب الصخر قد أثَّرا
واستمر يطلبُ العلمَ وصار إمامًا من كبار الأئمة، ومن جهابذة الدنيا. [1]
وجاء في ترجمة يحيى النحوي أنه كان ملاَّحًا، يعبر الناس في سفينته، وكان يحب العلمَ كثيرًا، فإذا عبر معه قومٌ من دار العلم والدرس التي كانت بجزيرة الإسكندرية يتحاورون فيما مضى لهم من النظر ويتفاوضونه، يسمعه فتهش نفسه للعلم، فلما قوي رأيه في طلب العلم فكَّر في نفسه، وقال: قد بلغت نيفًا وأربعين سنة وما ارتضت بشيء ولا عرفتُ غير صناعة الملاحة، فكيف يمكنني أن أتعرض لشيء من العلوم؟ وفيما هو يفكر إذ رأى نملة قد حملت نواة تمرة وهي دائبة تصعد بها، فوقعَت منها فعادَت فأخذتها، ولم تزل تجاهد مرارًا حتى بلغت بالمجاهدة غرضها، فقال: إذا كان هذا الحيوان الضعيف قد بلغ غرضه بالمجاهدة والمناصبة، فبالحريِّ أن أبلغ غرضي بالمجاهدة.
(1) علوُّ الهمَّة (206) ، محمد إسماعيل المقدم.