كما يتجلى لنا أثر علوم الحديث في تمحيص الروايات التاريخية وذلك من خلال تتبع أحوال الرواة في كتب الرجال، ومعرفة مراتبهم في الجرح والتعديل.
وقد جمع لنا أئمة الجرح والتعديل أخبار كل من له عناية بالعلم، وكل من نقل ولو خبرًا واحدًا من الحديث أو السيرة النبوية، ودوّنوا ذلك في كتبهم.
ولهذا فإنّ من منهج تحقيق أخبار السيرة النبوية الاستعانة بعلم الرجال، وتوظيف حقائق الجرح والتعديل، وبيان درجتها بناءً على مراتب رجالها، وأحوال رواتها. [1]
كما نجد تأثير علم الحديث في التاريخ من خلال استخدام المصطلحات التي استعملها المحدثون في الحكم على الأحاديث، وبيان صحيحها من سقيمها، كقولهم"صحيح"و"ضعيف"و"مرسل"و"منقطع"وغيرها [2] .
كما استعمل المؤرخون صيغ الأداء التي عرفها المحدّثون والتي تعبر عن طريقة تحمل الراوي وتلقيه للخبر كقولهم:"حدثني"، و"حدثنا"، و"أخبرنا"، و"سمعت"، و"أنبأني"، و"أنبأنا"وغيرها من الصيغ.
ونجد هذا واضحًا وجليًا في منهج الامام الطبري في تاريخه، ومنهج الحافظ ابن كثير في"البداية والنهاية، والامام الذهبي في"تاريخ الاسلام"و"سير أعلام النبلاء"وغيرهم كثير."
كما نجد تأثير علم الحديث في التاريخ من خلال سير المؤرخين على هدي المحدّثين في وضع شروط للمؤرخ، وذلك بالإفادة من منهج المحدثين في شروطهم في رواية الحديث، وقبول رواياته.
ومجمل هذه الشروط تكمن في العدالة والضبط والتحري في النقل، والأمانة في الأداء، والمعاني العامة لهذه الشروط مشتركة بين المحدّث والمؤرخ.
وقد تحدّث الامام السبكي عن تلك الشروط في كتابه"قاعدة في المؤرخين"حيث قال:
"يشترط في المؤرخ: الصدق، واذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى، وان لا يكون ذلك الذي نقله اخذه في المذكرة و كتبه بعد ذلك، و ان يسمى المنقول عنه، فهذه شروط أربعة فيما ينقله" [3]
(1) - انظر جهود المسلمين في تمييز صحيح السيرة النبوية من ضعيفها: 14 - 15.
(2) - أنظر على سبيل المثال لا الحصر: البداية والنهاية: 2/ 95،2/ 314، 2/ 335، 3/ 217، 3/ 263، 3/ 310،4/ 40، 4/ 168، 4/ 225، 4/ 275،
(3) - قاعدة في المؤرخين:68 - 69.