وقال شيخ الإسلام - رحمه الله: (ما ذكره الله من مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم حكم لم ينسخه شيء، وكذلك ما ذكره الله تعالى من مجادلة الخلق مطلقًا بقوله(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل:125] فإن من الناس من يقول: آيات المجادلة والمحاجَّة للكفار منسوخة بآيات السيف؛ لاعتقاده أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط فأن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس بالشام) [1] .
والأمر بالمجادلة (لا يناقضه الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم) [2] .
على الداعي الابتعاد عن العرض الفلسفي الكلامي الجدلي، وسلوك طريقة القرآن البينة البسيطة والتي من خلالها تم استقطاب جميع شرائح المجتمع، كيف لا والإسلام نفسه بأصوله الاعتقادية، وشعائره التعبدية، وأحكامه التشريعية واضحة بينة لجمهور المخاطبين عمومًا.
وهي طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان يمر على أندية المشركين وتجمعاتهم يدعوهم بقوله: (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) ) [3] .
مع بيانه لخلو طريقته ودعوته من التكلف والتصنع (قل لا أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) [ص: 86] .
على أن لا يكون ذلك على حساب البيان والتوضيح، قال تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) [التوبة:6] .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله: (قد علم أن المراد أن يسمعه سمعًا يتمكن معه من فهم معناه؛ إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لفظ لا يتمكن معه من فهم المعنى، فلو كان غير عربي لوجب أن يترجم له ما يقوم بع عليه الحجة، ولو كان عربيًا وفي القرآن ألفاظ غريبة ليست من لغته وجب أن نبين له معناها، ولو سمع اللفظ كما يسمعه كثير من الناس ولم يفقه
(1) الجواب الصحيح: (1/ 66) .
(2) المصدر نفسه.
(3) رواه أحمد: (3/ 492، 4/ 341) .