إن وضوح الدعوة ومباشراتها قاطع في الدلالة على ما يراد من المدعو، وليست القضية مجرد تعريف بما نحن فيه من دين، وإنما هي دعاءٌ إليه.
أ- التوحيد: إن دين الأنبياء جميعًا واحد مهما تعددت الشرائع (إن الدين عند الله الإسلام) [آل عمران:19] وهو دين واحد في جوهره ومقصده، وإن تعددت الشرائع؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (( الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ) ) [1] .
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله: (معنى الحديث أن أصل دينهم وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع) [2] .
إنه من خلال إيقاظ الفطرة وتذكيرها ولفت انتباهها لمظاهر ملكوت الله في السماوات والأرض، والتساؤل معها عن الخلق والتدبير والملك، كل ذلك يدفعها إلى الاعتراف بربوبية الخالق ابتداءً الذي هو الأرضية المشتركة بين البشر الذين فطروا عليها (فأقم وجهك لدين حنيفًا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم: 30] .
إن الدعوة تكون من خلال العناصر المشتركة المتفق عليها؛ ليبنى عليها فيما بعد؛ لذا نجد أن القرآن الكريم في دعوته لعقيدة التوحيد لم يتحدث عن إثبات وجود الخالق؛ لأن هذه المعرفة أمر جبلي فطري لدى جميع الخلق، فنجده قد خاطبهم بما هو متقرر عندهم (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) [الإسراء: 67] ، (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) [العنكبوت: 61] .
ووجود بعض من ينكر وجود الخالق الذين حكى الله قولهم: (ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) [الجاثية: 24] .
هؤلاء ما إنكارهم إلا من قبيل المكابرة والعناد (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا) [النمل: 14] .
(1) رواه البخاري: كتاب: الأنبياء، باب: واذكر في الكتاب مربم: (3/ 1270) .
(2) فتح الباري: (6/ 489) .