الصفحة 5 من 13

إن الاكتفاء بعرض المحاسن أو إثبات الدلائل دون وضوح في الدعوة للدخول في هذا الدين تضييع للرسالة الحقيقة وانصراف إلى الوسائل دون وقف على المراد، فالمنهج العملي ليس هو الأصل في الدعوة إلى الإسلام لكنه مصاحب وهو حال لازمة في التعامل مع الكافر وغيره.

فهذا عدي بن حاتم - رضي الله عنه - يحدث عن إسلامه فيقول: (أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال:(( يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ) )قلت: وما الإسلام؟ فقال: (( تشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها، خيرها وشرها، حلوها ومرها ) ) [1] .

وكتب النبي - صلى الله عليه وسلم- ورسائله لملوك الأرض لدليل على ما قدمنا ففي كتابه للنجاشي:(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده.

وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى) [2] .

ومن عجب أن يحسن أقوام إحسانًا مقترنًا بالذل، ويظنون أنهم يمارسون لونًا من الدعوة ويزعمون أنهم يرغبون في الدين، وهم إنما نزعوا عن أصل الولاء والبراء، فأصبحوا غرضًا للكفار في مسخهم عن دينهم، لا أنهم صاروا دعاة إلى الإسلام.

لقد ذل أقوام في التعامل مع الكفار، وأظهروا المودة لهم مع زعمهم أنهم يدعونهم إلى الإسلام وهم لم يفتحوا فمًا بالدعوة، ولم يتلفظوا بأي شيء يدل على مقصدهم لها.

إن ترك الوضوح والمباشرة دلالة من دلالات الضعف والإحساس بالدونية، فهو لا يباشر إلى الدعوة، وإنما يعرض بها بينما العزة وقوة التبيين بالحق مقتضية للوضوح والمباشرة، وليس فيهما ما قد يتوهم من تنفير أو نحوه.

(1) رواه ابن ماجة: في المقدمة: (1/ 34) .

(2) زاد المعاد: (3/ 691) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت