ومما يزيد الأمر وضوحًا أن أكثر الناس يقرون بأن الأحكام العملية تعلم بالعقل أيضًا، فبالعقل يعرف الحسن والقبح فتكون الأدلة العقلية دالة على الأحكام العملية أيضًا، ويجوز أن تسمى شرعية لأن الشرع قررها ووافقها أو دل عليها وأرشد إليها [1] .
فكيف يسوغ وصف أدلة الأحكام العملية بأنها عقلية - بالإضافة إلى كونها شرعية - ولا يسوغ إطلاق نفس الوصف على أدلة أصول الدين التي تشتمل على أهم المطالب العالية كإثبات الرب عز وجل، ووحدانيته، وصدق رسله، وقدرته على المعاد؟.
إنها الأولى أن تعد شرعية عقلية في آن واحد، وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأدلة والبراهين والحجج، وعلى المسلمين اتباعه في قضايا أصول الدين كاتباعه في قضايا الفروع أي المسائل الفقهية في العبادات والمعاملات [2] .
وكان الدافع الرئيسي لابن تيمية من كل ما تقدم هو إقناع المتكلمين والفلاسفة أن أدلة القرآن والسنة كافية بذاتها لمعرفة العقائد الإسلامية والحجاج بها أمام المخالفين، وهو صاحب فكرة أن الأدلة الشرعية هى في ذاتها عقلية أيضًا - أى أن مصدرها الشرع ويستدل بها بطريق العقل أيضًا كما سيأتي تفصيلًا، ومن ثم فلا فصل بين الشرع والعقل، ولا حاجة لابتداع أدلة مستمدة من الفلسفة اليونانية لاستخدامها في المناظرة
(1) وهو يرى من سياق عرضه للآراء أن معرفة الله عز وجل وتوحيده وأصول الدين تجب وتحصل بالشرع مع التقيد بالتقسيم الذي يلتزمه عد تناوله للشرع بأنه يتفرع الى ما هو سمعي وما هو عقلي، وكثيرًا ما يتفق الدليلان الشرعي والعقلي معًا.
وفي المسائل الفقهية من العبادات والمعاملات لا تحليل وتحريم إلا بموجب أوامر الشرع.
(2) ويشرح ابن تيمية لفظ السنة بمعناها الشامل، فإن السنة التي يجب اتباعها هي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والدة تذكر في الأصول والاعتقادات، وتذكر في الأعمال والعبادات وكلاهما يدخل فيما أخبر به وأمر به. ص 63 النبوات.