وأيضا وفي هذا الغرض يقول الدكتور صبحى الصالح- رحمه الله تعالى تحت عنوان: وظيفة العقل في استنباط الأدلة:
والإشادة بالعقل لم تكن - كما يتهم المستشرقون والباحثون الغربيون عامة - مزية للمعتزلة وحدهم، كأن غيرهم لم يع قيمتها، ولم ينزلها منزلتها، فما يستطيع مفكر مسلم - مهما يعول علي النصوص والغيبيات - أن يقاوم وظيفة العقل في استنباط الأدلة واكتساب المعارف، وإنما أتيح للمعتزلة تبعًا لمنهجهم القائم على العقل أصلًا والنص تبعًا - أن يغلوا في هذا الميدان غلوًا بعيدًا، نراه نسبيًا أبعد عن مناخ الإيمان والروح من ابتعاد الأشاعرة مثلًا من مناخ المنطق والبرهان.
ويمكننا أن نلاحظ أن القرآن، بمنطقه الوجداني البالغ التأثير، وإن تجافى عن الطريقة المنطقية المباشرة في الاستدلال، يدعو أول ما يدعو الى استخدام الطاقة (الفكرية) لدي تقرير الدلائل (العقلية) وإيراد الحجج والبراهين على حقائق الكلون والحياة، وحسبنا في هذا الصدد قوله تعالى علي وجه الإجمال: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .
ومن أوضح الشواهد القرآنية على هذا المنهاج الاستدلالي ما نجده في أواخر سورة يس عند إثبات البعث والنشور من سرد رائع لمقدمات متعاقبة تنتهي بالناظر فيها إلى التسليم بصحة هذه العقيدة من غير ارتياب.
{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 77 - 81] .