لم يكتف الإسلام بوضع الأحكام والقواعد التي تحمي البيئة المكية وغيرها من البيئات وتحافظ عليها، بل شرع من الرقابة ما يضمن تنفيذ هذه الأحكام والقواعد.
والرقابة على حمايتها من التلوث في الإسلام تدخل في نظام الحسبة.
والحسبة: نظام إسلامي رائع عرفه المكيون كما عرفه غيرهم، وتعد من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعظيم صلاحها وجزيل ثوابها، وهي: أمر بالمعروف اذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر اذا ظهر فعله.
ويدخل في واجبات المحتسب حماية البيئة من التلوث، باعتبار أن الأمر بحماية البيئة من التلوث من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن تلوثيها من باب النهي عن المنكر.
وقد كانت توكل الى المحتسب مهمة مراقبة التلوث بالأدخنة ومنع حدوثها بجانب مهامه الأخرى.
يذكر الإمام الشيرازي في كتابه (( نهاية الرتبة في طلب الحسبة ) )ان المحتسب كان يهتم بان ترفع أسقف حوانيت الخبازين، وان تفتح أبوابها، ويجعل في سقوف الافران منافس واسعة يخرج منها الدخان لئلا يتضرر بذلك السكان، كما كان المحتسب يمنع الصباغين من وضع أفرانهم في الشوارع لما تبعثه من أدخنة تضايق المارة والسكان.
وفي الحسبة على الطباخين، يأمرهم المحتسب بتغطية أوانيهم وحفظها من الذباب وهوام الأرض بعد غسلها بالماء الحار والأشنان.
وفي الحسبة على قلائين السمك يؤمرون كل يوم بغسل قفافهم وأطباقهم التي يحملون فيها السمك، وينشرون فيها الملح المسلوق في كل يوم بعد الغسل، وكذلك يفعلون بموازينهم الخوص، لأنهم اذا غفلوا عن غسلها فاح نتنها وكثر وسخها، وفي الحسبة على بائعي السمك يأمرهم بمواصلة غسل حصرهم وموازينهم، وجميع آلاتهم، وقفاف الحمالين أيضًا، ويرشوا عليها الملح عند انصرافهم لتنقطع رائحتها، فمن خالف ذلك وكانت قفته من الحمالين أدب وأشهر، ومن اشترى سمكًا لنفسه فليكن حمله في زنبيل معه، لكي لا يعدم به ثياب الناس في الأسواق، ومن وجد حاملًا سمكًا في يده وضع في حجرة تأديباَ.
وفي الحسبة على منكرات الأسواق، يأمر المحتسب أهل الأسواق بكنسها وتنظيفها من الأوساخ المجتمعة وغير ذلك مما يضر الناس.