وعلى هذا درج السلف؛ فكانوا يحذرون من الجدال فيما لا ينفع أشد التحذير. وأيضًا في التحذير من أهله، ومن ذوي الهوى المتبع، والشح المطاع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، كما صرح من حديث أبي ثعلبة الخشنبي - رضي الله عنه -.
ـ فقد روى اللالكائي [1] . بسنده إلى علي بن أبي طالب أنه قال:
(( إياكم والخصومة فإنها تمحق الدين ) )اهـ.
ـ وروي بنحوه عن ابن عباس والحسن بن علي ومحمد بن الحنفية والأحنف بن قيس والفضيل بن عياض ومسلم بن يسار وغيرهم كثيرًا.
فالخصومات تمحق الدين وتُنبت النفاق، وهي ساعة جهل العالم التي يستسيغها الشيطان، ليدرك بها هواه ويثيره على الباطل.
ـ وروى الآجري في الشريعة ص 56: بسنده عن معن بن عيسى قال:
(( انصرف مالك بن أنس من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له: أبو الحورية ـ كان يُتهم بالإرجاء ـ فقال: يا عبدالله، اسمع مني شيئًا أكلمك به أحاجك، وأخبرك برأي، فقال مالك: فإن غلبتي. قال: إن غلبتك اتبعني. قال: فإن جاء رجل آخر فغلبنا. فقال أبو الحورية: نتبعه. فقال مالك: يا عبد الله بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بدين واحد وأراك تتنقل من دين إلى دين ) )اهـ.
وقال عمر بن عبد العزيز: (( من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل ) )اهـ. [2] .
نعم فقد كانوا رحمهم الله يدفعون المراء ما أمكنهم إلى ذلك سبيلًا.
ـ وروى اللالكائي كذلك بسنده عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال:
(( أيها الناس، إن هذا القرآن كلام الله - عز وجل - فلا أعرفن ما عظمتموه على أهوائكم. فإن الإسلام قد خضعت له رقاب الناس فدخلوه طوعًا وكرهًا، وقد وُضعت لكم السنن
(1) انظر رقم 211 ـ 224 من شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص 54 وما بعدها
(2) اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة رقم 1827