أقول ابتداء: إن البحث في الغلو والغلاة، وأسباب الغلو، ونشأته، لعلاج هذه الآثار والنتائج الحاصلة من الغلو، وتأمل كيفية ضلال الناس عن صراط الله المستقيم للعظة والعبرة.
والغلو في مسائل الدين مما يسيء في الحقيقة إلى عقيدة الإسلام ومحاسنه؛ فالغلو في العبادات أو الأفكار أو العقائد أو التصرفات، ومعارضة قواعد الشريعة في التسهيل في مواضعه مما يُستقبح حصوله في المجتمع المسلم القصد المتوسط.
فمثلًا: التبتل وعدم النكاح، أو الاعتزال وطول العبادة، أو صيام الدهر كله، كل هذه نماذج من الغلو والزيادة والإفراط في العبادة بما لهم يأذن به الله، بل هو قدح في الشريعة وواضعها الذي شرع للناس عبادتهم؛ لأنه يتهم الشريعة بالنقص، فلهذا طلب الزيادة بالغلو.
ونجعل مثل هذا غافلًا عن تكامل الشريعة في كل شيء وأن العبادة ليست مقتصرة على الجوع وطول الذكر والصلاة .... بل كل عمل يفعله الإنسان مما أباحه الله يكون عبادة؛ فالنكاح عبادة والمشي عبادة والتجارة عبادة .... وعلى هذا فقس كل مسألة وقع فيها الغلو، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، فقد كان أكمل العباد عبادة لربه، وهذا مقرر عند كل من شهد بعبودية الرسول لربه ورسالته.