مفهوم المقارنة الأدبية تاريخي في تصور الدكتور محمد غنيمي هلال، وعبر التاريخ تقوم المقارنة، ولأجل كتابة تاريخ الأدب القومي أضحت المقارنة الأدبية عاملًا مهمًا يعين على كشف الإضافات التي عرفها أدب ما بفضل تأثره بأدب آخر.
يتأثر الدكتور سعيد علوش، وهو يتصدى لمفهوم المقارنة الأدبية، بتطور المعرفة الأدبية في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وبتجدد وتنوع الرؤى التي طرأت على الأدب المقارن، تحديدًا مع منتصف القرن العشرين؛ لذلك يأتي مفهومه لمصطلح الأدب المقارن مختلفًا عن مفهوم الدكتور هلال، من جهة عدم احتفائه بالتاريخ شرطًا أساسيًا عند كل مقارنة أدبية، وما هو كان متمسكًا به الدكتور هلال.
ينطلق الدكتور علوش من مفهوم مصطلح (المقارنة) عمومًا، بوصفه (حالة أنطولوجية، ملازمة لسيكولوجية الأفراد والجماعات، ولا تخص مجال الأدب وحده) 32. فالمقارنة فعل وصفي يعتمد مسارات متنوعة كالتأمل، والرصد العقلاني؛ والإحساس أحيانًا؛ وتفضي هذه المسارات، بالمحصلة، إلى توصيف الموضوع المعنى؛ لإدراك ملامحه، وصفاته، وإمكاناته مقارنة مع طرف أو موضوع آخر؛ فهي (أي المقارنة) إجراء عقلي، وأحيانًا، نفسي مصاحب لكل الظواهر، يفيد مهمة تقييم وتكوين فكرة عن موضوع ما.
ولا يعني هذا النقاش أن الدكتور سعيد علوش سيأخذ من المقارنة بعدها القيمي المعياري؛ لتصبح نسقًا يتم تطبيقه وإجراؤه لتكوين فكرة معيارية عن موضوع أو ظاهرة أدبية، عند استدعاء مفهوم المقارنة في مجال الأدب المقارن.
يعرّف الدكتور سعيد علوش المقارنة الأدبية بأنها تُعنى ب (التقريب بين وقائع مختلفة ومتباعدة، في غالب الأحيان، بغاية استخلاص القوانين العامة، التي تخضع لها هذه الظواهر الأدبية. فالمقارنة تفترض ضمنيًا معرفة مسبقة واستعدادًا موسوعيًا للملاحظة والقراءة والتفسير والتأويل) 33.
يطرح الدكتور علوش في تعريفه للأدب المقارن سؤال (الكيفية) الذي ستجيب عليه المقارنة، أو لنقل فعل المقارنة، تأسيسًا على نظرته لمفهوم المقارنة في دلالته العامة. فقوله: (استخلاص القوانين العامة) بحث عن كيفيات البناء، وأنظمة الإنتاج للظواهر الأدبية، وهي ظواهر تنتمي إلى سياقات إنتاج قومية مختلفة ومتباعدة، يجري التقريب بينها في الأدب المقارن؛ ولتتأتي هذه المقارنة، وتصير فعلًا ممكنًا، ينصرف الدكتور علوش إلى المقارن نفسه، فردًا أو جماعة، ليؤكد