لما ختمت كلامها بالتاء المربوطة، عمدت ابنة الخُسّ أن ينتهي جوابها بالنهاية نفسها، مع إقامة التجنيس بين: الدِّرّة والْجِرّة.
ومنها ملاحظة أن جوابيها رغم كثافتهما وشدة إيجازهما، فإننا نجد أن أحدهما أشد إيجازًا من الآخر، ذلك أن جوابها على المرأة الأولى قد شهد العطف بين التركيب العطفي: رغوة وصريح والتركيب الوصفي: سنام إطريح، بينما شهد جوابها على المرأة الثانية العطف بين دالتين مفردتين هما: الدِّرّة والجِرَّة، والتفاوت بين تركيب الجوابين هنا مرتبط بدلالة خطابيْ المرأتين، وتفاوت مدلول الإسليح على سِمَنِ الإبل وما يستدعيه من كثرة اللبن وطول السنام وارتفاعه، ودلالة الخلة على قلة النبات المأكول، فالعرب تقول عن الأرض إن لم يكن بها من النبات شيءٌ: علونا أرضًا خُلّة [1] وربما استدعت الخَلة بفتح الخاء كما ورد عند الجاحظ معنى الفقر والحاجة، ومن ثمة استدعى جواب ابنة الخُس على المرأة الثانية شدة في التكثيف والإيجاز.
ومنها أن ميلها إلى التكثيف والإيجاز يستدعي ما تحمله البنية العميقة من دلالات تتناص والأمثال العربية القديمة، فاللبن الصريح يستدعي وضوحه وعدم الشك فيه وفي غزارته، وهو ما يستدعي المثل"برز الصريح بجانب المتن" [2] حيث يُضرب للأمر الواضح، وقولها: سريعة الدِّرَّة والجِرَّة يستدعي المثل:"لا أفعل ذلك ما اختلفت الدِّرَّة والجِرَّة" [3] لأن الأولى تسفل، والثانية تعلو، وفيه دلالة على تأبيد انتفاء الفعل، وهو يستدعي المثل:"لا يحنق على جِرَّته" [4] وهو يُضرب لمن يعجز عن كتمان ما في نفسه.
(1) - لسان العرب 11/ 212.
(2) - مجمع الأمثال: الميداني - تقديم وتعليق نعيم زرزور 2/ 272 - دار الكتب العلمية، وانظر: المستقصى في أمثال العرب: الزمخشري 2/ 8 - ط 3/ 1987 م - دار الكتب العلمية - بيروت.
(3) - المستقصى للزمخشري 2/ 245.
(4) - مجمع الأمثال للميداني 2/ 261.