ذلك [1] على أننا نلمح من سرد هذه الحوارية شيئًا من التناقض بينها وما ورد عن هند من وقوعها في الزنا مع غلامها، وجوابها عن ذلك بأنه طول السِّواد وقرب الوساد؛ إذ يدل هذا التعليل على تذوقها القبلة التي تقسم على أنها لم تذقها، وإن كان ذلك لا ينفي صدق الواقعة؛ إذ ربما لم تكن القبلة المقصودة بالحديث، خاصة وأن جريرتها قد كانت مع خادمها، ولم يضمهما هوىً ومحبة كما قالت، أو ربما هي لم ترتكب الجريرة المنسوبة إليها؛ لأن ما ورد على لسانها من الأقوال الحكيمة ما يكشف عن عقل حصيف ربما يستنكر هذه الفعلة.
ولا يقف أمر ابنة الخُسّ عند مجرد إجاباتها على ما يوجه إليها من الأسئلة التي تكشف عما تتمتع به من سرعة في البديهة ورجاحة في العقل، وذكاءٍ في القريحة، وفصاحة في اللسان، بل نجدها امرأة خجولة رغم جرأة ما جاء على لسانها في بعض المواقف، والمحاجاة: مفاعلة من قولهم:"حاججته أحاجّه حِجَاجًا ومُحاجّة حتى حججْتُه: أيْ غلبته بالحجج التي أدليْتُ بها" [2] وهو وسيلة فنية تهدف إلى توجيه المتكلم خطابه إلى المتلقي بغية إقناعه بقضية ما من خلال ما يقدمه المتكلم من الحجج والبراهين الاستدلالية على صدق قضيته، ذلك الصدق الذي يترتب عليه تعديل سلوك المتلقي ورأيه، والحجج والبراهين إنما تُقدَّم في صياغة أسلوبية محتوية على آليات الخطاب وتقنياته"التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يُعرَضُ عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم" [3] وتلك غاية كل حِجَاج.
بقي أن نشير في هذا السياق إلى أن المحاجاة أو الحجاج يستدعي ثلاثة أطراف هي قِوام العملية الحجاجية، وأساس كل ممارسة كلامية كالخطابة مثلًا إلى ثلاثة عناصر أشار إليها أرسطو في
(1) - التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه - طبعة الأمالي - السابق - 4/ 62.
(2) - لسان العرب لابن منظور 2/ 228 مادة حجج.
(3) - الحِجَاج: أطره ومنطلقاته من خلال"مصنف في الحِجاج - الخطابة الجديدة - لبرلمان وتيتيكا"عبد الله صولة ص 299 - ضمن كتاب: أهم نظريات الحِجَاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم - بإشراف حمادي صمود - طبعة كلية الآداب - منوبة - تونس - المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية.