وإذا راجعنا ما قالته هند للرجل الذي صدّر حديثه بالفعل الناقص كاد، وجدناها تتفق وبعض الأمثال العربية من مثل:"كاد العروس أن يكون ملِكًا. كاد الفقر يكون كفرًا - لاشتداد الصبر عليه - كاد المنتعِل يكون راكبًا" [1] والبنية اللغوية للمثل خبرية، وهي لذلك أقرب ميلا إلى الإقناع والمحجة، ذلك أن"الخبر في نفسه إذا كان ممكنًا، فهو يحتاج إلى ما يدل عليه وعلى صحته، والمثل مقرون بالحجة" [2] التي تكفل هذه الصحة؛ ومما يؤكد ما نذهب إليه هنا أن الرجل لم يُعقب على جوابها ربما لانبهاره بسرعة جوابها، وسرعة بديهتها، وربما لأنّ"المثل: ما تراضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم، وفاهوا به في السراء والضراء، واستدروا به الممتنع من الدُّرّ، ووصلوا به إلى المطالب القصية، وتفرجوا به عن الكُرب والمكربة" [3] أو لأنه"جملة من القول مقتضبة من أصلها، أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول، وتشتهر بالتداول" [4] ومن ثمة كانت معروفة للرجل، فلم يشأ أن يُعقِّب على كلامها، وربما كان انتفاء التعقيب راجعًا إلى الأمرين معًا: سرعة بديهتها وسرعة جوابها، وشيوع المثل وتداوله، وتراضيه بين العامة والخاصة، بالإضافة إلى ما للأمثال من تأثير نفسي فعَّال وهو ما"يتضح من أن المثل يتحدث عن الحاجة الشخصية في ثوبٍ إنسانيٍّ عام، ولهذا يشعر به كل فرد على سواء" [5] .
(1) - المستقصى في أمثال العرب: الزمخشري 2/ 2.3 - ط 3/ 1987 م - دار الكتب العلمية.
(2) - كتاب نقد النثر - السابق - الصفحة نفسها.
(3) - هذا هو تعريف الفارابي للمثل كما ذكره السيوطي. انظر: المزهر للسيوطي - سابق - 1/ 486.
(4) - هو تعريف المرزوقي كما نقله السيوطي. انظر: المزهر - السابق - الصفحة نفسها.
(5) - الأمثال العربية القديمة مع اعتناء خاص بكتاب الأمثال لأبي عبيد: رودلف زلهايم - ترجمة وتعليق د/ رمضان عبد التواب ص 25 - ط 1/ 1971 م - مؤسسة الرسالة.