فهرس الكتاب
الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:43] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» ، وقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» ، وقال: يستغفر للعالم ما في السموات والأرض، [73] فما حال قوم يشتغلون بأنفسهم، والملائكة يشتغلون بالاستغفار لهم».
وقال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين، وألهمه رشده» .
وعن كثير بن قيس أنه قال: أتيت أبا الدرداء وهو جالس في مجلس دمشق، فقلت: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة النبي صلى الله عليه وسلم في طلب حديث بلغني أنك تحدث به، فقال: ما جاء بك حاجة إلا هذا الحديث، قلت: نعم، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع، وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لا يورثون دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر» .
وفي الحديث: «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم، أوشك أن تضل الهداة» . رواه أحمد.
وقد أمر الله كليمه أن يسافر ليتعلم العلم من الخضر، ولكن فن الرواة من محاسن الإسلام، ومزايا العلماء الأعلام، وخصائص الفضلاء الذين تحقق لهم ذواتب الطروس، وتنتصب رياح الأقلام.
فقيل للإمام أحمد: ما تشتهي؟ فقال: سندًا عاليًا، وبيتًا خاليًا.
وما برح الأئمة الكبار يرتحلون إلى أقاصي الأقاليم في طلبه، ويتحملون المشاق والمتاعب فيه، ويتحملون بسببه، فقد ارتحل الإمام الشافعي وغيره إلى عبد الرزاق باليمن، وكان فيمن أخذ عنه من هو بالفضل قمن، ولكنه يحتاج يعاضده من لا يعانده، وأمر لا يصبر عنه من ألفه، وما يعلم الشوق إلا من كابده، فما عند من طلب الرواية أجل من إيفاء جنسه، ولا عند المفيد أحلى من قوله: حدثنا فلان، وأنشدنا لنفسه إجازة قاصر عن كل شيء يسير من الرواية في مفازه لمن ملك الفضائل وأنشأها، وحاز مدى العلى سبقًا وجازه.
في الأثر: من قال: «توكلت على الحي الذي لا يموت، {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ... } إلى آخر السورة، لا يضره كل شيء أهمه.
أخبرنا الشيخ عبد الباقي، أخبرنا الميداني، عن الطيبي، عن أبي البقاء كمال الدين بن حمزة، أخبرنا أبو العباس بن عبد الهادي، أخبرنا الصلاح بن أبي عمر، أخبرنا الفخر بن البخاري، أنشدنا القاسم بن أحمد الأندلسي من لفظه لنفسه:
يا ناظرًا فيما عمدت لجمعه *** اعذر فإن أخا البصيرة يعذر
واعلم بأن المرء لو بلغ المدى *** في العمر لاقى الموت وهو مقصر
فإذا ظفرت بزلة فافتح لها *** باب التجاوز فالتجاوز أجدر
ومن المحال بأن ترى أحدًا ذوي *** كنه الكمال وذا هو المتعذر