فهرس الكتاب
فإن فن الآثار لم تبق منه الآثار، إليه يرجع الفقه والتفسير، وهو قول وفصل وتقرير وصفة للبشير النذير خطير وقعه، وكثير نفعه، عليه مدار أكثر الأحكام، وبه يعرف الحلال والحرام، أهله جعل الله في وجوههم البهجة والنضرة والبهاء، لقول خاتم الأنبياء: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا حشر يوم القيامة في زمرة العلماء والشهداء» ، ومما ينسب إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:
تعلم فليس المرء يولد عالما *** لا ولو دارسه ألف سنة
إنما العلم بعيد غوره *** فانتقي من كل فن أحسنه
أمر الله:
أعلم الخلق بأن يطلب الازياد منه بقوله: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114] ، وأعظم آية في القرآن معرفة لعلو قدره، وزيادة شرفه وفخره، قوله سبحانه: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ} [آل عمران:18] .
نصب سبحانه كلمة التوحيد مقصدًا للإثبات، ثم استشهد عليها بذاته العظيمة الصفات، وثنى بملائكته السموات، وثلث بأهل العلم من عباده الثقات، وناهيك بذلك شرفًا وقدرًا وجلالةً وفخرًا، فإن نظرت إلى الشهود به فهو كلمة التوحيد، وهي أعلا الكلمات، ورأس السعادات، وأساس العبادات، وإن نظرت إلى الشهود له إجلالًا فهو الله سبحانه وتعالى، وإن نظرت إلى رفقائهم في الشهادة فهو الله ذو الجلال والإكرام وملائكته عليهم الصلاة والسلام.
ثم إن الله سبحانه رفع الواسطة من النبيين، وبين أن الاكتفاء حاصل بمجرد الشهادتين، شهادة الله تعالى، وشهادة أهل العلم الرفيعي الجنان، فقال: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد:43] .
ثم خص أهل العلم بالهداية المطلقة فقال في قصة قارون: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} [القصص:80] .
وأصل الهداية والمعرفة: الاطلاع على أن زخارف الدنيا وزينتها متاع الغرور والاغترار، وأن الآخرة هي دار القرار، وهذه المعرفة يختص بها أهل العلم، ثم خصصهم بالخشية التي هي رأس الحكمة، فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر:28] .
وقد نفى الله سبحانه التسوية بين أهله وبين غيرهم، كما نفى التسوية بين أهل الجنة والنار، فقال: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9] .
وجعل أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون ولا يعقلون، فقال: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد:19] ، وقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43] ، وقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ