الصفحة 29 من 89

القول الثاني: وذهب جمهور العلماء إلى أن القرآن يوصف بالمحدث كما وصفه الله به، وهو الصواب، ومعنى محدث أي ليس قديما، وليس معناه مخلوق؛ إذ فسر طائفة من السلف قوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ) أنه القرآن، وليس النبي-صلى الله عليه وسلم- [1]

(1) (أرى حذف الحاشية كاملة) قال يحيى بن سلام القيرواني (ت:200) في كتابه التصاريف لتفسير القرآن (161) : (يعني القرآن) وقال في تفسيره (1/ 298) : (يَعْنِي الْقُرْآنَ، تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلَّمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ أَعْرَضُوا عَنْهُ.) وقال البخاري في خلق أفعال العباد (44) : (قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ...:"مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ"، فَإِنَّمَا حَدَثَ عِنْدَ النَّبِيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ لَمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:"وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ) .وقال ابن قتيبة في الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (39) : (المحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله:"لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا"أنه يخلق وكذلك قوله:"لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا"أي: يحدث لهم القرآن ذكرًا، والمعنى يجدد عندهم ما لم يكن، وكذلك قوله:"ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث"أي: ذكر حدث عندهم لم يكن قبل ذلك.) . وقال البخاري في صحيحه (9/ 152) : (باب .."مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ"، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:"لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا""وَأَنَّ حَدَثَهُ لاَ يُشْبِهُ حَدَثَ المَخْلُوقِينَ"؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَنِ النَّبِيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:"إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ". حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ:"كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ كُتُبِهِمْ، وَعِنْدَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، أَقْرَبُ الكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّهِ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ". حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ:"يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الكُتُبَ، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلاَ وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ") . قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (10/ 525) : (غرضه في هذا الباب الفرق بين وصف كلام الله بأنه مخلوق، وبين وصفه بأنه محدث، فأحال وصفه بالخلق، وأجاز وصفه بالحدث، اعتمادًا على قوله تعالى:"مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ"، وهذا القول لبعض المعتزلة ولبعض أهل الظاهر، وهو خطأ في القول؛ لأن الذكر الموصوف في الآية بالإحداث، ليس هو نفس كلامه تعالى؛ لقيام الدليل على أن محدثًا، ومخلوقًا، ومنشئًا، ومخترعًا: ألفاظ مترادفة على معنى واحد، فإذا لم يجز وصف كلامه تعالى القائم بذاته بأنه مخلوق، لم يجز وصفه بأنه محدث، وإذا كان ذلك كذلك كان الذكر الموصوف في الآية بأنه محدث راجعًا إلى أنه الرسول-صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه قد سماه الله تعالى في آية أخرى ذكرًا، فقال تعالى:"قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَّسُولًا"، فسماه ذكرًا في هذه الآية، فيكون المعنى ما يأتيهم ذكر من ربهم، بمعنى: ما يأتيهم رسول، ويحتمل أن يكون الذكر في الآية هو وعظ الرسول، وتحذيره إياهم من معاصي الله، فسمى وعظه ذكرًا، وأضافه إليه، إذ هو فاعل له، ومقدر رسوله على اكتسابه. وقال بعض المتكلمين في هذه الآية: يحتمل أن يرجع الإحداث إلى الإتيان، لا إلى الذكر القديم؛ لأن نزول القرآن على النبي كان شيئًا بعد شيء) . وابن بطال أشعري فهِم مراد البخاري-رحمه الله- وأوضحه ثم خالفه؛ لأنه ظن أن كل محدث مخلوق وأن هذا مذهب المعتزلة، كما أنه موافق لأصل الأشعري في نفي الصفات الاختيارية؛ وإن كان مذهبه في الإيمان موافق للسلف وآخر قولي الأشعري، ومخالف لجمهور الأشاعرة. ونزاع السلف في هذا المسألة مع الأشاعرة نزاع لفظي ومعنوي، ونزاعهم مع المعتزلة نزاع معنوي، ونزاعهم مع أحمد ومن وافقه نزاع لفظي."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت