وهذا وإن كان في سياق آخر، فهو يدل على أن فعل الله وخلقه في الأزل غير ممتنع؛ لأنه يفعل ما يشاء، وهو من جنس الاستدلال بقوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) ونظائر ذلك، مما يدل على أن فعله في الأزل ليس ممتنعا، وإن كانت الآية قد تستلزم وجود حوادث لا أول لها من جهة أن كثرة الفعال سيق لبيان المدح والكمال، فإذا كانت كثرة الفعال منه-جل ثناؤه-في وقتٍ ما محمودة، فهي محمودة فيما يماثله فيما لا أول له من الأوقات، وما من وقت إلا ويفرض قبله وقت، وجميع الأوقات المقدرة بالنسبة إليه سواء، فخلو وقتٍ منها من كثرة الفعال يستلزم النقص، وهو ممتنع عن الله تعالى، وظواهر القرآن الدالة على هذا المعنى كثيرة، بل أسماؤه وصفاته كلها تستلزم هذا، وهذا يعلم بالاضطرار؛ إذ وصف الرجل بالكرامة والشجاعة .. يستلزم أن هذه قد صدرت منه ولو مرة واحدة، فمن الممتنع وصف رجلٍ بالكرم لم يُكرم أحدا ولم تظهر منه آثاره قط، فكيف يوصف به من هو ممتنع عليه كما يزعمه المتكلمون؟ فمثل هذا لا يكون وصفا صادقا البتة، وقس على ذلك سائر الأوصاف والمحامد.
لم يفتأ المؤلفان في الطعن في مذهب أهل الحديث والتقليل من شأنه، تارة بعدم حيازتهم للحق كله، وتارة بضعفهم في فهم النصوص، وتارة بالاحتجاج بالأحاديث الضعيفة!
قالا في (301) : (أتت طبقة من أهل الحديث المتقدمين فصاروا يرتبون على مخالفة ما لديهم من الروايات على ما فهموه منها: كل ما يرتب على مخالفة السنة، ووقع بسبب هذا لون من الاعتداء في ذم أهل الرأي)
ثم ذكرا أن الرادين على هؤلاء المحدثين المعتدين صنفان:
الصنف الأول: من أهل الحديث .. وضربا مثلًا على ذلك بما يحصل بين أحمد وإسحاق بن راهويه!
ولست أدري أي هذين الإمامين هو المعتدي في نظر المؤلفين؟
الصنف الثاني: من (يرد ما لديهم من الروايات؛ لعدم ثبوتها عنده كأهل الرأي مع وجوب الالتفات إلى أن عدم الثبوت هذا كان مبنيا على أصول غير الأصول التي يجري عليها أهل