الحادث المبتدع هو في جعل الأمور العلمية أصولا يبدَّع مخالفها ويأثَّم ويكفّر ولا يعذر فيها في الدنيا والآخرة، وجعل الأمور العملية فروعا لا يبدع مخالفها ولا يأثم ولا يكفر، ثم رتبوا على هذا التقسيم بدعا أخرى كالتعنت في قبول أخبار الآحاد وظواهر النصوص في المسائل العلمية التي يسمونها أصولا، أما لو قال أحد إن أصول الدين هي القطعيات من العلميات والعمليات، وفروعه هي الظنيات لكان المعنى صحيحا، أو قال الأصول هي الثابتة بالنص، والفروع هي الثابتة بالقياس لكان هذا صحيحا، أو قال: إن توحيد الربوبية أصل وما سواه فرع عنه لكان المعنى صحيحا، أو قال: إن أنواع التوحيد الثلاثة أصل وما سواه فرع، أو قال: إن معرفة العبد ربه ونبيه ودينه أصول كما سماها الغزالي في المنقذ من الضلال ومحمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة، لكان هذا صحيحا بشرط أن لا يرتب على هذا التقسيمات أحكاما تخالف النصوص الشرعية.
بل لو قسم أحد الدين إلى علميات وعمليات، فهو تقسيم عقلي صحيح، بل لو قيل: إن الشرع علق الحق في العمليات على الظواهر دون البواطن كاستقبال القبلة ورؤية الهلال ونحو ذلك، بينما علق الحق في العلميات على البواطن، لكان هذا صحيحا على قول طائفة من أهل العلم، وهو الموافق لظواهر النصوص ..
والحاصل: أن الحديث بخلاف ما ذهب إليه المؤلفان، وهو موافق لكلام السلف وغيرهم، ومما يقضى منه العجب أن يعمد المؤلفان إلى تضييق مدلولات حديث الافتراق فيما يبدو؛ لتخفيف الفرقة في الأمة، فأتيا بقول هو أشد فرقة، وأكثر شقاقا؛ إذ جعلا كل مخالفة موجبة للفرقة!!.
فقد قالا في (50) : (وبعض هذه المسائل قد استقر القول السلفي على سواغها الآن، لكنه لم يستطع أن يعود بالتخطئة والنقد على طريقة التحققات السلفية السابقة في التعامل معها والحكم بعدم سواغها) وليس قبله مسائل محددة يمكن التأكد منها، غير أنهما بعدها بخمس وأربعين صفحة ساقا نصا لأحمد في تكفير اللفظية وتجهيمهم، واعترضا عليه بقولهما في (95) : (وقد استقر القول السلفي على إخراج من يقول بأن لفظه بالقرآن مخلوق يقصد