الصفحة 21 من 89

يكون بعد موته، ولو كان فعل الكبائر كالزنا وشرب الخمر والغيبة والنميمة وعدم الاستبراء من البول ونحو ذلك داخل في الافتراق: فيلزم منه أن الأمة افترقت في زمن النبوة لا بعده، ومذهب أهل السنة أن الصحابة غير معصومين من الكبائر [1] ، ثم لو كانت الكبائر داخلة في الحديث لكانت الفرق النارية كثيرة جدا لا اثنين وسبعين، وهذا ظاهر البطلان لما تقدم ولغير ذلك من الدلائل: فعُلِم من هذا كله أن الحديث وارد في البدع والمحدثات في الدين.

الوجه الخامس: أن المؤلفين لم يذكرا إمامًا يقتديان به في هذه المسألة، بل لم أر أحدا نازع أن حديث الافتراق لا يتناول أهل الكبائر من شراب الخمور والسراق والزناة وغيرهم ممن لم يستحلها أو يدافع عنها.

الوجه السادس: أن ابن تيمية لم يقل إن هذا خاص بأصول الدين حسب اصطلاح المتكلمين كما فهمه المؤلفان من قوله: (موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك=نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا وقد لا يكون ناجيًا) ؛ إذ غاية كلام ابن تيمية هنا أن العقائد داخلة في الحديث، ولم يقل إن العمليات غير داخلة.

الوجه السابع: أن ابن تيمية لم ينف أن تكون المسائل العملية داخلة في الحديث إن صاحبها اعتقاد باطل، فمن ترك دفع الزكاة متأولا، أو طاف بالقبور وشد الرحال إليها، أو استحدث بعض العبادات، أو أقام أعيادا غير الأعياد الإسلامية .. ونظائر ذلك .. فهي بدع مشتملة على اعتقادات فاسدة أو مستلزمة لذلك، بخلاف من حضر أعياد المشركين مثلا؛ لشهوة وهو يعلم فسادها .. فهذا ليس من البدع، وإنما هو من المحرمات.

الوجه الثامن: أن المتكلمين قسموا الدين إلى أصول وفروع وهو تقسيم حادث مبتدع، فأصول الدين يعنون بها أبواب العقائد أو المسائل العلمية، والفروع هي الحلال والحرام أو الفقهيات أو المسائل العمليات، ثم طفقوا بعد ذلك يفرقون بينهما بفروق باطلة [2] .

وقد يُشغِّب بعض الباحثين بأن من السلف من استعمل مصطلح الأصول والفروع إما في باب القياس، أو في أثناء الرد على المبتدعة، أو في غير ذلك من المواضع، ومورد التقسيم

(1) مجموع الفتاوى (3/ 155) .

(2) مجموع الفتاوى (19/ 208)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت