الصفحة 20 من 89

في مذهب السلف، وسيأتي بسط الكلام عليه، ومع هذا فكلامهما يوهم أنه أعم من ذلك وأشمل لمن تأمله.

وإن كان المقصود أن أيَّ مخالفة وذنب بطبيعتها تكون سببا للوعيد بالنار سواء كانت كبيرة أو صغيرة؛ لتحذير النبي-صلى الله عليه وسلم-من محقرات الذنوب، وأنها قد تجتمع فتهوي بصاحبها في النار؛ فعليه تكون الكبائر والصغائر داخلة في الحديث؛ لأنه سبب في الوعيد بالنار .. وهذا الكلام يلزم منه شناعات، منه: أن الأنبياء يدخلون دخول في الفرق النارية حتى يتوبوا؛ لأنهم غير معصومين من الوقوع في الصغائر عند السلف [1] ،كما أنه مخالف لظاهر الحديث؛ لأن الفرق الثتنين وسبعين فرقة متوعدة بالنار .. وهذا يدل على أن جرمها ليس صغيرة باتفاق السلف.

الوجه الرابع: كلامكما في أحسن أحواله يتناول المبتدع والمرتكب للكبيرة؛ لأن كلا منهما متوعد بالنار، ولا ريب أن هذا غلط، فإن ظاهر الحديث مخصوص بمن ابتدع مذهبا؛ لأن الحديث ورد بلفظ (سبعين فرقة) ، والافتراق في أكثر موارده في الكتاب والسنة يستعمل في الافتراق الديني؛ وهو المراد في الحديث؛ لأنه نُسب للأديان، فقال: (افترقت اليهود .. افترقت النصارى) أي في دينهم، والعاصي لم يفارق الدين في الحقيقة؛ ومما يؤيد هذا أن النبي-صلى الله عليه وسلم-أرشد إلى السواد الأعظم والجماعة، ومعلوم أن السواد الأعظم ليسوا مبرَّأين من كبائر الذنوب، ولا يلزم منه افتراق في العقائد أو الأبدان .. ويؤكد هذا المعنى أنه وردت في بعض ألفاظ الحديث (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة) فقوله: (ملّة) أي: شريعة ودين واعتقاد وطريقة، ولا يطلق على من فعل المحرمات أنه اتخذ ملة [2] .

كما أن قوله:) ستفترق) أي سيحصل الافتراق؛ ويلزم منه أنه لم يحصل في زمنه افتراق، كما أنه أوصى بالاستمساك بما عليه هو وأصحابه، وهذا يكون بعد موته، كحديث العرباض، وحديث: (اقتدوا بالذين من بعدي) ونظائر ذلك، فعلم من هذا أن الافتراق

(1) قال ابن تيمية كما في المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 208) : (وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث من الأشعرية وغيرهم فلم يمنعوا وقوع الصغيرة إذا كان مع التوبة كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة؛ فإن الله يحب التوابين.)

(2) تهذيب اللغة (15/ 252) ، المخصص (4/ 69) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت