كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلقه لنفسه عظمة).
فلاحظ هذا النص الصريح الذي لا يحتاج إلى شرح في أن الله لم يزل يتكلم إذا شاء، ويمكن الاستدلال به على حوادث لا أول لها من جهتين:
الأولى: أن في هذا إثبات كلام لا أول له، وهو مستلزم لإرادات لا أول لها، وهذا يدل على إمكان حوادث لا أول لها.
الثانية: أن كلام الله يستحيل أن يكون عبثا ليس فيه حكمة من حصول حوادث به، أو مخاطبة مخلوق، وفي كلتا الحالتين يثبت حوادث لا أول لها.
وقال ابن بطة [1] : (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:"لمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا يُعْبَدُ بِصِفَاتِهِ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ وَلَا مَعْلُومَةٍ، إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ) ."
فقوله: (لم يزل .. يُعبد) أي: لم تزل تعالى يخلق مخلوقات تعبده.
4 -قال عثمان بن سعيد الدارمي [2] : (الْحَيَّ الْقَيُّومَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ، ويهبط ويرتفع إِذا شَاءَ، وينقبض وَيَبْسُطُ وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ إِذَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَمَارَةُ مَا بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكَ. كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ. وَكُلُّ مَيِّتٍ غَيْرُ مُتَحَرِّكٍ لَا مَحَالَةَ) .
وجه الدلالة من جانبين:
الجانب الأول: قوله: (يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا شاء) هذا تفسير للحي القيوم وهو لم يزل كذلك، وغاية هذه الجملة أنه تعالى إن شاء أن يفعل ويتحرك في الأزل فسيفعل وسيتحرك، فهذا يدل على إمكان ذلك لا أنه مستلزم له.
الجانب الثاني: قوله: (كُلُّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٌ لَا مَحَالَةَ) فهذا مستلزم لحركة الله تعالى منذ الأزل؛ لأنه لم يزل حيا، فهو لم يزل متحركا!
5 -قال البخاري [3] : (قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: إِذَا قَالَ لَكَ جَهْمِيٌّ: أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ، فَقُلْ: «أَنَا أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ» )
(1) في الإبانة الكبرى (6/ 33)
(2) في كتابه النقض على المريسي (1/ 215)
(3) في كتابه خلق أفعال العباد (36)