أو قال: عاجل أمري وآجله - فاصرِفْهُ عنِّي، واصرفني عنه، واقْدُر لِيَ الخيرَ حيثُ كان، ثم ارضِني به، ويُسمِّي حاجتَه )) (يعني يقول مثلًا: اللهم إن كنتَ تعلم أن زواجي من فلانة خيرٌ لي ... ) مكان: (اللَّهم إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي ... ) [1] ، وفي رواية: (( ثم رَضِّنِي به مكان: ثم ارضِني به ) ).
-ملاحظات تتعلَّق بصلاة الاستخارة:
(1) الاستخارة تكون في الأمور الاختياريَّة للعبد؛ أعني: الأمور المُباحة، وأمَّا الأمور الواجبة والمستحَبَّة، فليس فيها استخارة؛ لأنَّها كلها خير، وعليه أن يأتي بها وجوبًا أو استِحْبابًا، وكذلك لا استخارة في الأمور المُحرَّمة والمكروهة؛ لأنَّها كلها شرٌّ، وعليه الانصراف عنها؛ لأن التلَبُّسَ بها مُحرَّمٌ أو مكروهٌ.
(2) أمَّا الأمور الأخرى المباحة، فعلى العبد أن يأتي بالاستخارة، وألَّا يحتقر أمرًا فيترك الاستخارة، فرُبَّ أمرٍ يستخفُّ به يكون في الإقدام عليه ضرَر عظيم، فتَأمَّلْ قوله في الحديث:"يُعلِّمُنا الاستخارة في الأمور كلِّها، كما يُعلِّمنا السورة من القرآن"؛ مِمَّا يدلُّ على تأكيد الاهتمام بها.
(3) يكون دعاء الاستخارة بعد صلاة ركعتين من غير الفريضة، وعليه فلا يقَع دعاء الاستخارة بعد الفريضة مَوقِعَه، ولا يكون أتى بالاستخارة المشروعة، وعليه أن يتأدَّب بآداب الدُّعاء (كأن يستقبل القبلة، ويرفع يديه أثناء الدعاء، ويتضرع، ويبدأ بحمد الله والصلاة على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم) ؛ فهذا أَحْرى لقبوله [2] .
(4) الظاهر من قوله: (( ثُمَّ لْيَقل ) )أنَّ دعاء الاستخارة يكون بعد أداء الركعتين كاملتين؛ أيْ: بعد السلام.
(5) قال النوويُّ رحمه الله:"ينبغي أن يَفْعل بعدَ الاستخارة ما يَنْشرح له؛ فلا ينبغي أن يعتمد على انشِراحٍ كان له فيه هوًى قَبْل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير تَرْكُ اختياره رأسًا، وإلاَّ فلا يكون مستخيرًا لله؛ بل يكون مستخيرًا لِهَواه، وقد يكون غيرَ صادِقٍ في طلَبِ الخِيرة، وفي التبَرُّؤ من العلم والقدرة، وإثباتهما لله تعالى، فإنْ صدَقَ في ذلك، تبَرَّأ من الحول والقوَّة، ومن اختيارِه لنفسه" [3] .
(6) ما يعتَقِدُه كثيرٌ من الناس من أنَّه لا بدَّ أن يرى رؤيا يتبَيَّن من خلالها اختِيار العمل أو الانصراف عنه، فهذا باطل؛ بل المشروع أن يَسْتخير وأن يمضي لحاجته، آخِذًًا بالأسباب متوكِّلًا على الله، ولْيَحرص على ما ينفَعُه، فإذا قُضِيَ الأمر فذاك، وإن صُرِفَ عنه فلا يَجْزع، بل عليه أن يَرْضى ويُسلِّم، وعلى هذا؛ فالاستِخارة أوَّلُها توَكُّل، وآخِرُها استسلام ورِضًا.
(7) اعلم أنَّ الاستخارة يقوم بها العبد لنفسه متوكِّلًا على الله؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إذا هَمَّ أحَدُكم بالأمر ... ) )، وأما ما يفعله البعض بطلبهم من الغير أن يستخير له، فهو مِمَّا لا يُعلَم له دليل، بل هو مخالفٌ للحديث السابق، وأيضًا فإنَّ الاستخارة توكُّل على الله، ولا يُتَصوَّر هذا لغير المستخير.
(1) البخاري (1166) ، (6382) ، وأبو داود (1538) ، والترمذي (480) ، والنسائي (6/ 80) ، وابن ماجه (1383)
(2) راجع في ذلك كتاب الشيخ عادل العزازي:"حادي السُّعداء بالرغبة والرجاء."
(3) وانظر"نيل الأوطار" (3/ 87) .