1.سُنَّة الظهر: في الحديث السابق دليلٌ على أنَّ سُنَّة الظهر القبليَّة أربع ركعاتٍ، وأما السنة البعديَّة للظُّهر، فقد دَلَّ الحديث على أنَّهما ركعتان، وثبَتَ أيضًا فضيلةُ الأربع بعد الظُّهر، فقد قال النبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( مَن صلَّى أربع ركعاتٍ قبل الظُّهر، وأربعًا بعدها، حرَّمَه الله على النَّار ) ) [1]
وعلى هذا؛ فالَّذي اختارَه العُلماء بالنِّسبة لسنَّة الظُّهر؛ كالآتي:
أ- السُّنن المؤكَّدة: أربع قبل الظُّهر وركعتان بَعْده.
ب- السُّنن المُستحَبَّة (غير المؤكَّدة) : رَكْعتان - أيْ: أُخْرَيان - بعد الظُّهر.
والرَّاجح أن صلاة السُّنن تُصلَّى مثنَى مَثْنى، بِما في ذلك سُنَّة الظُّهر، وأمَّا حديث أبي أيُّوب عن النبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (( أربعٌ قبل الظُّهر لا يُسلِّم فيهنَّ تفتح لهنَّ أبواب السَّماء ) ) [2] ، فإنَّه حديثٌ ضعيف، قال النوويُّ رحمه الله: متَّفَق على ضعفه [3]
2.سُنَّة العصر: قال النبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( بَيْن كلِّ أذانَيْن صلاة ) ) [4] ، والمقصود بالأذانَيْن: الأذان والإقامة، وعلى هذا؛ فتُشْرَع الصَّلاة قبل العَصْر، وقد ورَدَ في الحديث عن عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه:"أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُصلِّي قبل العصر أربعَ ركعاتٍ يَفْصل بينهنَّ بالتَّسليم" [5] ، وقال النبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( رحم الله امْرَأً صلَّى قبل العصر أربعًا ) ) [6] ، فهذا يدلُّ على أنه يُستَحَب صلاة أربع ركعاتٍ قبل العَصْر، لكن أهل العلم لَم يجعلوا ذلك من السُّنن المؤكَّدة، بل جعلوه من السنن المستحَبَّة غير المُؤكَّدة.
-ولكنْ هل للعصر سُنَّة بعده؟
تعارَضَت الأحاديثُ في الصَّلاة بعد العَصْر، فقد ثبتت أحاديثُ تَنْهى عن الصَّلاة بعد العصر، وقد عارضَ ذلك ما ثبت عن عليٍّ رضي الله عنه أن النبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشَّمس مرتفعة [7] ، وما ثبت عن عائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنهما أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم صلى ركعتي الظُّهر بعد العصر، ثم أثبَتَهما - وفي رواية عائشة: (ثم داوَمَ عليهما) ، وقد سُئل الإمام أحمد عن الرَّكعتين اللتيْن بعد العصر، فقال: لا أُصلِّيهما، ولا أنكِرُ على مَن صلاَّهما، وذهب ابنُ حزم إلى أنَّهما سُنَّة، وأورد لذلك أحاديثَ؛ منها قولُ عائشة رضي الله عنها: ما ترَكَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ركعتَيْن بعد العصر عندي قطُّ [8] ، وأورد ذلك عن أكثرَ من عشرين صحابيًّا [9] .
(1) صحيح: رواه أبو داود (1269) ، والترمذي (427) ، وابن ماجه (1160) ، والنسائي (3/ 263)
(2) رواه أبو داود (1270) ، وابن ماجه (1157)
(3) "المجموع" (4/ 56) . وقد اضطرب كلام الشيخ الألباني في كتبه، ففي بعض كتبه الحكم بتحسينه كما في"صحيح الجامع" (898) ، وتعليقه على صحيح ابن خزيمة (1214) ، إلا أنه في صحيح الترغيب والترهيب حسنه دون لفظ: (( لا يسلم فيهن ) )، فقد حكم بضعف هذه الزيادة، وهذا هو القول الأصوب، والله أعلم.
(4) البخاري (627) ، ومسلم (838) ، والترمذي (185) ، وابن ماجه (1162) .
(5) صححه الألباني: رواه الترمذي (429) ، وحسنه، وصححه الألباني كما في"صحيح الترمذي".
(6) أبو داود (1271) ، والترمذي (430) ، وابن خزيمة (1193) ، وابن حبان (2453) ، وحسن إسناده الشيخ الألباني في"التعليق على ابن خزيمة."
(7) صحيح: رواه أبو داود (1274) ، والنسائي (1/ 280) ، وصححه الألباني في"الصحيحة" (200)
(8) البخاري (591) ، ومسلم (835) ، والنسائي (1/ 280) .
(9) راجع في ذلك"المحلى"المسألة رقم (285) .