المدفعية الثقيلة
تجاوز نطاق نيران المدفعية وكثافتها خلال الحرب العالمية الأولى كل ما خيره المقاتلون قبلا, فقد أنتجت مصانع الدول المتحاربة مدافع ذات اعيرة أكبر مما سبق، وكان لدى الجيش الألماني وفرة من الأسلحة الثقيلة والذخيرة منذ بداية الحرب. أما بريطانيا وفرنسا فوجدتا نفسيهما في موقف مش ممثل في «أزمة القذائف» في مطلع العام 1915، ففي معركة «إيمره الثانية في أبريل 1915، واجه رجال المدفعية البريطانية قيودة شديدة بشأن عدد القذائف التي يسمح لهم بإطلاقها في اليوم الواحد. ومع ذلك، وبحلول السنة الثانية، توافرت كميات هائلة من قذائف المدفعية للمتحاربين على جانبي خط القتال.
وبحلول العام 1916، غدت قطع المدفعية الثقيلة والمتوسطة، جنبا إلى جنب المدافع الرشاشة، الأسلحة المهيمنة على ساحات القتال في الجبهة الغربية. وكان يمكن سماع دو نيران المدفعية الضخم الذي يسبق أي هجوم كبير من مسافات بعيدة مثل مدينة لندن. ففي معركة «السوم، لم تمهد نيران المدفعية ساحة المعركة للهجوم البريطاني فحسب، بل رافقت وقائع القنال نفسه. وفي معركة «فردان» ، دار معظم القتال بين وحدات المدفعية المتبارزة في حين تحركت قوات المشاة تحت عاصفة من النيران. وفي البدايات الأولى للحرب، وعلى الرغم من المذابح التي أوقعتها المدافع الرشاشة، إلا أن معظم ضحايا ساحة القتال جاء نتيجة النيران قذائف المدفعية، ومثل هذه الخسائر صدمت حتى المخضرمين من المحاربين. وعبر عن ذلك المؤرخ اليستر هورن بقوله:
حديد القذائف الخام في الحرب العالمية الأولى ... قطع إلى أجزاء كبيرة وخشنة لدرجة أنه في بعض الأحيان كان يصعب على رجلين حمله»، و «لك أن تتخيل تأثير هذه الشظايا جين تخترق الدرع البشري الطري» (20) .
ويمكن لنيران المدفعية أن تخدم أغراض متعددة في أي هجوم كبير سواء بالنسبة إلى القوات المهاجمة أو المدافعة. فقد كان المدفع بعيد المدى يقصف مستودعات المون و مراكز الطرق خلف خطوط العدو. أما الأسلحة قصيرة المدى فكانت تقصف الطرف المؤدية إلى الخنادق؛ وبالتالي كانت قذائفها تقصف التعزيزات التي تتحرك لكي تصل