الصفحة 448 من 572

بالمقارنة مع السلوك الأوروبي عندما تسيدت هذه القارة على شؤون العالم قرنين من الزمان، وخاب الأميركان أيضا في استذكار دينامية أوروبا التي أطلقت الثورة الصناعية والفلسفة السياسية التي انجبت مفهوم السيادة الوطنية، أو منحي الدبلوماسية الأوروبية الذي سخر نظام توازن قوي معقد، نحوا من ثلاثة قرون. وعندما تماثلت أوروبا إلى الشفاء، بالاستغاثة الأميركية، كان على بعض الهياكل التقليدية لدبلوماسينها أن تسترد، خاصة في فرنسا، الموطن الذي تأصلت فيه السياسة الحديثة في عهد راشليو.

ولم يستشعر أحد بهذه الحاجة أعظم من ديغول، ففي الستينيات، اوج جداله الدائر مع الولايات المتحدة، أمسى من المتعارف عليه اتهام هذا الرئيس معاناته من خرافات الشيخوخة. ولكن معضلته كانت على الشفا النقيض الآخر تماما - أني بعيد هوية بلد نقشت فيه روح الحية والتعري، وعلى خلاف أميركا، لم تتمتع فرنسا بقوة جبارة ولم تأنس الحرب العالمية الثانية، بعدسة بريطانيا، التي تراها تجربة موحدة ومهذبة، وخيرت دول قليلة مخاضات فرنسا، التي فقدت كثيرا من شبابها في الحرب العالمية الأولى. وأيقن الناجون من هذه الكارثة أنها لن تستطيع صيرة لمثل هذه المحنة. وفي تلك الفترات، غدت الحرب العالمية الثانية كابوسا حقيقيا، مترجم انهيار فرنسا عام 1940 الى مصيبة نفسية وعسكرية. وعندما بانت فرنسا من الحرب، فنيا، كأحد الظافرين، أيقن قادتها في أحسن صورة أنها أتحدت بالجهود العظيمة للآخرين.

لم يأت السلام بالفرج ومارست الجمهورية الرابعة، كالثالثة، التقلقل الحكومي ذاته فكان عليها أن تقطع المسلك الملتهب للتحرر من الاستعمار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت