فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 31

وقد تبني هذا الرأي من المعاصرين العلامة الشيخ رشيد رضا، حيث يذكر في تفسير قوله تعالى عن يوسف عليه السلام: (قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي غنه لا يفلح الظالمون) أن في جملة الجواب من الاعتصام والاعتزاز بالإيمان بالله، والأمانة للسيد صاحب الدار، والتعريض بخيانة امرأته له المتضمن لاحتقارها، ما أضرم في صدرها نار الغيظ والانتقام، مضاعفة لنار الغرام، وهو ما بينه -تعالى- بقوله مؤكدا بالقسم لأنه مما ينكره الأخيار من شرور الفجار: (ولقد همت به) ، أي: وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه أمرها، وهي في نظرها سيدته وهو عبدها، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه، ومن شأن المرأة أن تكون مطلوبة لا طالبة، ومراودة عن نفسها لا مراودة، حتى إن حماة الأنوف من كبراء الرجال؛ يطأطئون الرؤوس لفقيرات الحسان ربات الجمال، ويبذلون لهم ما يعتزون به من الجاه والمال، بل إن الملوك ليذلون أنفسهم لمملوكاتهم وأزواجهم ولا يأبون أن يسموا أنفسهم عبيدًا لهن، ولكن هذا العبد العبراني الخارق للطبيعة البشرية في حسنه وجماله، وفي جلاله وكماله، وفي إبائه وتألهه، قد عكس القضية، وخرق نظام الطبيعة والعوائد بين الجنسين، فأخرج المرأة من طبع أنوثتها في إدلالها وتمنعها، وهبط بالسيدة المالكة من عزة سيادتها وسلطانها، ودهور الأميرة (الأرستقراطية) من عرش عظمتها وتكبرها، وأذلها لعبدها وخادمها، وبما هونه عليها: قرب الوساد، وطول السواد، والخلوة من وراء الأستار والأبواب، حتى إنها لتراوده عن نفسه في مخدع دارها، فيصد عنها علوًا ونفارًا، ثم تصارحه بالدعوة إلى نفسها فيزداد عتوًا واستكبارًا، معتزا عليها بالديانة والأمانة، والترفع عن الخيانة [1] .

وأخذ الشيخ رشيد يرد على جميع من فسروا هم المرأة بغير ما اختاره، لا همه وحده، فقال: لولا الغرور بالروايات الباطلة لم يخطر لأحد منهم غيره، ورد عليهم بعبارة القرآن في مدلولها اللغوي فهو حجة عليهم، فقال: أجمع أهل اللغة على أن الهم إنما يكون بالأعمال، لا بالشخوص والأعيان، وتحقيق معناه أنه مقاربة فعل تعارض فيه المانع والمقتضي فلم يقع لرجحان المانع، وهو الموافق لقول علماء الأصول في التعارض الأعم، ولكن رجحان المانع هنا قد يكون بإرادة صاحب الهم ومنه هم يوسف، وقد يكون من غيره ومنه هم هذه المرأة: كان همهما واحدًا وهو البطش بالضرب أو ما في معناه، وكان المانع منه إرادته هو وعجزها هي بهربه، وأخذ يستشهد علي ما ذهب إليه بعدد من الشواهد القرآنية، وانتهي بعد تفصيل إلى أنه من الجلي أنه لا يصح تفسير: (ولقد همت به) بهذا المعنى الذي أثبتناه بشواهد الكتاب والسنة إلا بما قررناه، وأن ما قاله الجمهور باطل لمخالفته له، بل للغة القرآن وهدايته، وإنما خدعتهم به الروايات الباطلة، وبيانه من وجوه:

(1) تفسير القرآن الحكيم المشتهر بتفسير المنار جزء 12 صفحة 229، محمد رشيد بن علي رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة، 1990 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت