(الرابع) جاء في نصوص التنزيل في خطاب الشيطان: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) 15: 42 وقال - تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) 7: 201، فالتذكر بعد النسيان القليل من شأن أهل التقوى.
(الخامس) أن النسيان ليس ذنبا يعاقب الله تعالى عليه، وقد قال - تعالى - لخاتم
النبيين: (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) 6: 68 يعني الذين أمره بالإعراض عنهم إذا رآهم يخوضون في آيات الله.
(السادس) أنهم ما قالوا هذا إلا لأنهم رووا فيها حديثا مرفوعا على قلة جرأة الرواة على الأحاديث المرفوعة المسندة في التفسير، وهو ما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسير الآية عن سفيان بن وكيع عن عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لو لم يقل يوسف الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله ) )ونقول: إن هذا الحديث باطل، واستشهد الشيخ رشيد بما سبق أن نقلناه عن الحافظ ابن كثير من هذا الحديث بأنه ضعيف جدا، وأن سفيان بن وكيع ضعيف وإبراهيم بن يزيد هو الجوزي أضعف منه أيضا. وقد روي من الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما. وهذه المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، وقد عقب الشيخ رشيد رضا علي كلام الحافظ ابن كثير بما يلي: أولا: إن ما قاله في هذين الراويين للحديث هو أهون ما قيل فيهما، ومنه أنهما كانا يكذبان. وثانيا: إنه يعني بقوله (ههنا) الطعن في نبي مرسل بأنه كان يبتغي الفرج من عند غير الله، وهو الجدير بألا تحجبه الأسباب الظاهرة عن واضعها ومسخرها وخالقها - عز وجل -. ويعني بقوله: لو قبل المرسل من حيث هو) ما هو الصحيح عند علماء الأصول وهو عدم الاحتجاج بالمراسيل، وما رواه الكلبي وغيره عن وهب بن منبه وكعب الأحبار من خطاب الله - تعالى - وخطاب جبريل ليوسف وتوبيخه على الاستشفاع بآدمي مثله، فهي من موضوعات الراوي والمروي عنهما جزاهم الله ما يستحقون، وانتهي إلي أنه قد تبين بهذا أن التفسير المأثور في الآية باطل رواية ودراية وعقيدة ولغة وأدبا. [1]
يذكر القرطبي أن القول الثاني يتمثل في إن الهاء تعود على الناجي فهو الناسي أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه أي لسيده وفيه حذف أي أنساه الشيطان ذكره لربه، ويذكر أنه قد رجح بعض العلماء هذا القول فقال: لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب
(1) تفسير المنار جزء 12 صفحة 258 - 260