فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 31

الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله، ويري الحافظ ابن كثير أن هذا الحديث ضعيف جدا لأن سفيان بن وكيع ضعيف وإبراهيم بن يزيد هو الجوزي أضعف منه أيضا وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما وهذه المرسلات ها هنا لا تقبل من قبل المرسل من حيث هو غير هذا الموطن والله أعلم [1] ، وجاء في تفسير المنار أنه قيل: إن المعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه وهو الله - عز وجل - فعاقبه الله - تعالى - بإبقائه في السجن بضع سنين. وقالوا: إن ذنبه الذي استحق عليه هذا العقاب أنه توسل إلى الملك لإخراجه ولم يتوكل على الله - عز وجل - وجاءوا عليه بروايات لا يقبل في مثلها إلا الصحيح المرفوع أو المتواتر منه، لأنها تتضمن الطعن في نبي مرسل، ولكن قبلها على علاتها الجمهور كعادتهم، ويري الشيخ رشيد رضا أن هذا هو خلاف الظاهر من وجوه: (الأول) عطف الإنساء على ما قاله للساقي بالفاء يدل على وقوعه عقبه، ومفهومه أنه كان ذاكرا لله - تعالى - قبله إلى أن قاله، فلو كان قوله ذنبا عوقب عليه لوجب أن يعطف عليه بجملة حالية بأن يقال: وقد أنساه الشيطان ذكر ربه - أي في تلك الحال - فلم يذكره بقلبه ولا بلسانه، فاستحق عقابه - تعالى - بإطالة مكثه على خلاف ما أراده من ملك مصر وحده. (الثاني) أن اللائق بمقامه ألا يقول ذلك القول إلا من باب مراعاة سنة الله - تعالى - في الأسباب والمسببات كما وقع بالفعل، فإنه ما خرج من السجن إلا بأمر الملك، وما أمر الملك بإخراجه إلا بعد أن أخبره الساقي خبره، وما آتاه ربه من العلم بتأويل الرؤى وبغير ذلك مما وصاه به يوسف، فإذا كان قد وصاه بذلك ملاحظا أنه من سنن الله في عباده متذكرا ذلك - وهو اللائق به - فلا يعقل أن يعاقبه ربه - تعالى - عليه، وعطف الإنساء بالفاء يدل على وقوعه بعد تلك الوصية، فلا تكون هي ذنبا ولا مقترنة بذنب فيستحق عليها العقاب.

(الثالث) إذا قيل: سلمنا أنه كان ذاكرا لربه عندما أوصى الساقي ما أوصاه به، ولكنه نسيه عقب الوصية واتكل عليها وحدها. (قلنا) : إن زعمتم أنه نسي ذلك في الحال واستمر ذلك النسيان مدة ذلك العقاب وهو بضع سنين أو تتمتها، كنتم قد اتهمتم هذا النبي الكريم تهمة فظيعة لا تليق بأضعف المؤمنين إيمانا، ولا يدل عليها دليل، بل يبطلها وصف الله له بأنه من المحسنين ومن عباده المخلصين المصطفين، وبأنه غالب على أمره، وأنه صرف عنه السوء والفحشاء، وكيد النساء.، وإن زعمتم أن الشيطان أنساه ذكر ربه برهة قليلة عقب تلك الوصية، ثم عاد إلى ما كان عليه من مراقبته له - عز وجل - وذكره فهذا النسيان القليل، لا يستحق هذا العقاب الطويل، ولم يعصم من مثله نبي من الأنبياء كما يعلم من الوجهين: الرابع، والخامس.

(1) تفسير ابن كثير جزء 2 صفحة 480

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت