بالمعجزات، ويذكر أبو حيان أن البرهان الذي رآه يوسف هو ما آتاه الله تعالى من العلم الدال على تحريم ما حرمه الله، وما حرمه الله لا يمكن الهم به فضلًا عن الوقوع فيه [1] .
وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان روايات متعددة سبق أن أشرت إليها من قبل، ويذكر الفخر الرازي أن الواحدي لما نقل هذه الروايات تصلف وقا: هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل ويرد عليه فيقول: إنك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين هذا من الحجة والدليل، وأيضًا فإن ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز، وأنه عليه الصلاة والسلام كان ممتنعًا عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية، فلما انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز، والعجب أنهم زعموا أن يوسف عليه السلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السلام، والعجب أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام، ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلًا بفاحشة فإذا دخل عليه رجل على زي الصالحين استحيا منه وفر وترك ذلك العمل، وههنا أنه رأى يعقوب عليه السلام عض على أنامله فلم يلتفت إليه، ثم إن جبريل عليه السلام على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضًا عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبريل عليه السلام إلى أن يركضه على ظهره فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين، والخذلان في طلب اليقين فهذا هو الكلام المخلص في هذه المسألة والله أعلم [2] .
المبحث الثاني
اختلاف علماء العقيدة في الاستدلال بالشاهد القرآني
(فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين)
يذكر القرطبي أن الضمير في قوله (فأنساه) فيه قولان:
القول الأول: أنه عائد إلى يوسف عليه السلام أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل.
القول الثاني: إن الهاء تعود على الناجي فهو الناسي أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه أي لسيده، فجاء هذا المبحث في مطلبين:
المطلب الأول: القائلون بأن الضمير عائد علي يوسف، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل
وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك اذكرني عند ربك نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به وجنح إلى الاعتصام بمخلوق
(1) تفسير البحر المحيط جزء 5 صفحة 295.
(2) التفسير الكبير جزء 18 صفحة 96 - 97.