ويري أن هذا هو المتبادر من نظم الآيتين المناسب للمقام بغير تكلف، ولكن ذهب الجمهور اتباعا للروايات الخادعة إلى أنهما حكاية عن يوسف - عليه السلام - يقول: ذلك الذي كان مني إذ امتنعت من إجابة الملك واقترحت عليه التحقيق في قضية النسوة ليعلم العزيز من التحقيق أني لم أخنه في زوجه بالغيب إلخ، وأنه صرح بعد ذلك بأنه لا يبرئ نفسه من باب التواضع وهضم النفس وهذا المعنى يتبرأ منه السياق والنظم ومرجع الضمير. ومن العجب أن ابن جرير اقتصر عليه، ولكن سبق ما نقلته عن الحافظ من أن هذا هو القول الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام وقد حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام أبو العباس بن تيمية - رحمه الله - فأفرده بتصنيف على حدة - وقد سبق ما نقلته عن ابن تيمية - ولذلك فقد عقب العلامة الشيخ رشيد علي كلام الحافظ ابن كثير: وشيخ الإسلام ابن تيمية من أعلم المحدثين بنقد الروايات فهو ما نصر هذا القول إلا وقد فند روايات القول الآخر.، وقد علم من جملة الكلام أن يوسف - عليه السلام - كان مثل الكمال الإنساني الأعلى للاقتداء به في العفة والصيانة، لم يمسه أدنى سوء من فتنة النسوة، وأن امرأة العزيز - في خاتمة الأمر - قد أقرت بذنبها في مجلس الملك الرسمي إيثارا للحق وإثباتا لبراءة المحق، فأية مزايا أظهر من هذه لمن ابتليت بمثل هذا العشق؟ وفي تاريخ الفردوسي أديب الفرس أنه صنف قصة غرامية في زليخا ويوسف صور فيها العفة بأجمل صورها، وزليخا (بالفتح) اسم امرأة العزيز في أشهر تواريخنا، وقيل: إن اسمها راعيل، [1]
1 -بيان مكانة الشواهد القرآنية ومنزلتها في علم الكلام والعقيدة الإسلامية، والتأكيد علي أن نصوص القرآن الكريم تمثل المصدر الأول لهذا العلم، واستقاء أركان الإيمان الستة وأصول العقيدة من هذا الينبوع الإلهي،
2 -بيان أن هذه الشواهد القرآنية قد أثارت قريحة علماء الكلام والعقيدة، ولفتت انتباههم، فأدي ذلك إلي الثراء العلمي، والتلاقح الفكري، والاختلاف المذهبي، واتسع نطاق العلم والفكر والمعرفة، وتعمق الاعتقاد بعصمة يوسف - عليه السلام -، وتنزيهه عما نسبه إليه الجهلة، وتناقله النقلة، من الإسرائيليات والموضوعات
(1) تفسير المنار جزء 12 صفحة 267 - 268