لذلك فرأى برهانًا صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك. وهذا قول السديّ، ورواية عن ابن عباس. وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي قبله [1] .
وأما البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام ففيه أقوال أيضًا فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم رأى صورة أبيه يعقوب عاضًا على إصبعه بفمه، وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف، وقال العوفي عن ابن عباس: رأى خيال الملك يعني سيده، وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب، ونقل ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت فإذا كتاب في حائط البيت: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلًا} ، وقال عبد الله بن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن أبي صخر قال: سمعت القرظي يقول: في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله: {وإن عليكم لحافظين} الآية، وقوله: {وما تكون في شأن} الآية، وقوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} ، قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: {ولا تقربوا الزنا} ، وقال الأوزاعي: رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك [2] .
ويذكر العلامة الطبري إلى أن أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن هم يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آية من آيات الله زجرته عن ركوب ما هم به يوسف من الفاحشة، وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب، وجائز أن تكون صورة الملك وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنى، ولا حجة للعذر قاطعة بأي ذلك من أي، والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى والإيمان به وترك ما عدا ذلك إلى عالمه [3] .
أشار الطبري إلى هؤلاء القائلين بهذا الرأي لكنه لم يرتضه، فذكر أنهم قالوا ولا حرج في حديث النفس ولا في ذكر القلب إذا لم يكن معهما عزم ولا فعل [4] ، وقال القشيري أبو نصر: وقال قوم جرى من يوسف هم وكان ذلك الهم حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد وتناول الطعام اللذيذ
(1) تفسير التحرير والتنوير جزء 12 صفحة 253 - 254، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع-تونس، 1997 م.
(2) تفسير ابن كثير جزء 2 صفحة 475 - 476.
(3) تفسير الطبري جزء 12 صفحة 191.
(4) تفسير الطبري جزء 12 صفحة 185.