له علو المنازل [1] ، ويذكر كل من الرازي والآلوسي أنه ممن ذهب إلى تحقق هذا الهم القبيح منه عليه السلام الواحدي فإنه قال في كتاب البسيط: قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هم يوسف أيضًا بهذه المرأة هما صحيحًا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه. قال جعفر الصادق رضي الله عنه بإسناده عن علي عليه السلام أنه قال: طمعت فيه وطمع فيها فكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن وعنه أيضًا أنها استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه، ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب، وما ذكر آية يحتج بها ولا حديثًا صحيحًا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة، وما أمعن النظر في تلك الكلمات العارية عن الفائدة، ثم قال: والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء عليهم السلام وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا لهم عنه، فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب [2] .
فإن قال قائل وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا وهو لله نبي؟ قيل: إن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: كان ممن ابتلي من الأنبياء بخطيئة فإنما ابتلاه الله بها ليكون من الله عز وجل على وجل إذا ذكرها فيجد في طاعته إشفاقًا منها ولا يتكل على سعة عفو الله ورحمته، وقال آخرون: بل ابتلاهم الله بذلك ليعرفهم موضع نعمته عليهم بصفحة عنهم وتركه عقوبته عليه في الآخرة، وقال آخرون بل ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك الإياس من عفوه عنهم إذا تابوا [3] .
يذكر الإمام الطاهر ابن عاشور أنه قال جماعة: هَمّ يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكفّ على ذلك لما رأى برهان ربه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن أبي مليكة، وثعْلب. وبيان هذا أنه انصرف عمّا همّ به بحفظ الله أو بعصمته، والهمّ بالسيئة مع الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف. وقال جماعة: هَمّ يوسف وأخذ في التهيّؤ
(1) زاد المسير جزء 4 صفحة 204.
(2) التفسير الكبير جزء 18 صفحة 92، وروح المعاني جزء 12 صفحة 214.
ويبدو أن الواحدي قد اخنصر هذا القول في تفسيره الوجيز، حيث يذكر في تفسير قوله تعالى (ولقد همت به وهم بها) طمعت فيه وطمع فيها، راجع: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تفسير الواحدي جزء 1 صفحة 543، علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم-الدار الشامية، دمشق-بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ.
(3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير الطبري جزء 12 صفحة 185، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر، دار الفكر-بيروت، 1405 ه.