يذكر القرطبي أنه قد قيل: إن هم يوسف كان معصية وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم فيما ذكر القشيري أبو نصر وابن الأنباري والنحاس والماوردي وغيرهم، قال ابن عباس: حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه: استلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه، وقال سعيد بن جبير: أطلق تكة سراويله، وقال مجاهد: حل السراويل حتى بلغ الأليتين وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، وجواب لولا على هذا محذوف، أي: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به، ومثله: كلا لو تعلمون علم اليقين التكاثر وجوابه لم تتنافسوا، قال ابن عطية: روى هذا القول عن ابن عباس وجماعة من السلف وقالوا: الحكمة في ذلك أن يكون مثلا للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم ولم يوبقه القرب من الذنب، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخاء وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو ذلك وهي قد استلقت له حكاه الطبري وقال أبو عبيد القاسم بن سلام وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها، وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه وأشد تعظيمًا للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم، وقال الحسن: إن الله عز وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة، قال الغزنوي: مع أن زلة الأنبياء حكمًا: زيادة الوجل وشدة الحياء بالخجل والتخلي عن عجب العمل والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل [1] ، ويذكر ابن الجوزي: أن القول الأول يتمثل في أن هم يوسف كان من جنس هم امرأة العزيز، فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وهو قول عامة المفسرين المتقدمين، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير وابن الأنباري، وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة هممت بفلان وهم بي وأنت تريد اختلاف الهمين، واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر، ويدل عليه ما وقع من أمر البرهان الذي رآه، قالوا ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سيء الهم ويوجب
(1) راجع تفسير القرطبي جزء 9 صفحة 166 - 167، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، جزء 3 صفحة 233 - 234، وقد أورد السيوطي كل الروايات الواردة في هذا الشأن، منها ما أخرجه عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما همت به تزينت ثم استلقت على فراشها وهم بها وجلس بين رجليها يحل تبانه نودي من السماء: يا بن يعقوب لا تكن كطائر ينتف ريشه فبقي لا ريش له فلم يتعظ على النداء شيئا حتى رأى برهان ربه جبريل عليه السلام في صورة يعقوب عاضا على أصبعيه ففزع فخرجت شهوته من أنامله فوثب إلى الباب فوجده مغلقا فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له واتبعته فأدركته فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه فألفيا سيدها لدى الباب، راجع: الدر المنثور جزء 4 صفحة 520 ومابعدها عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، دار الفكر-بيروت، 1993 م.