وينتهي أبو السعود إلى إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها [1] .
ذكر بعض العلماء أنه هم بها أي بضربها ودفعها عن نفسه، والبرهان كفه عن الضرب، إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها، يذكر الفخر الرازي أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعيم والتمتع، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه.
فإن قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: (لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ) فائدة؛ قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين:
الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونًا للنفس عن الهلاك.
الثاني: أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به، فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزقًا من خلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربًا عنها، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية [2] .
وإلى تقدير الدفع ذهب بعض السادة الصوفية -قدس الله تعالى أسرارهم- ففي الجواهر والدرر للشعراني: سألت شيخنا عن قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها) ما هذا الهم الذي أبهم فقد تكلم الناس فيه بما لا يليق برتب الأنبياء عليهم السلام؟ فقال: لا أعلم، قلت: قد ذكر الشيخ الأكبر -قدس سره- أن مطلق اللسان يدل على أحدية المعنى ولكن ذلك أكثرى لا كلى فالحق أنها همت به عليه السلام لتقهره على ما أرادته منه وهم بها ليقهرها في الدفع عما أرادته منه فالاشتراك في طلب القهر منه ومنها والحكم مختلف ولهذا قالت: (أنا راودته عن نفسه) ، وما جاء في السورة أصلًا أنه راودها عن نفسها [3] .
(1) تفسير أبي السعود جزء 4 صفحة 266 - 267.
(2) التفسير الكبير جزء 18 صفحة 95، راجع: عصمة الأنبياء 88 - 89، تقديم ومراجعة: محمد حجازي، مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى، 1406 ه-1986 م.
(3) روح المعاني جزء 12 صفحة 216.