فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 31

أعطاه العلم والحكمة إبان غلبة الشهوة لتكون له سببًا للعصمة [1] ، ولذلك اعتبر الآلوسي هذا الرأي بأنه ما ذهب إليه بعض المحققين في معنى الآية وهو قول بإثبات هم له عليه السلام إلا أنه هم غير مذموم حيث إنه عليه السلام، قد هم بها أي مال إلي مخالطتها بمقتضي الطبيعة البشرية، كميل الصائم في اليوم الحار إلي الماء البارد، لا أنه عليه السلام قصدها قصدا اختياريا لأن ذلك أمر مذموم تنادي الآيات علي عدم اتصافه عليه السلام به، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة، لا لشبهه به كما قيل، وجواب (لولا) محذوف يدل عليه الكلام، أي لولا مشاهدته البرهان لجري علي موجب ميله الجبلي، لكنه حيث كان مشاهدًا له استمر على ما هو عليه من قضية البرهان [2] .

هذا وقد بين أصحاب هذا القول الثاني بطلان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، عقلًا ونقلًا؛ حيث يذكر الزمخشري أنه قد فسر همّ يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر البرهان بأنه سمع صوتًا، ثم يقول: وهذا ونحوه. مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وُجِدَت من يوسف عليه السلام أدنى زلة لنُعِيت عليه وذُكِرَت توبته واستغفاره، كما نُعِيَت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب، وعلى ذي النون، وذُكِرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصًا، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أُولي القوّة والعزم، ناظرًا في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهًا لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا، لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرّك. فيا له من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه [3] .

(1) . أحكام القرآن، جزء 3 صفحة 46 - 47، أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الفكر للطباعة والنشر-لبنان.

(2) روح المعاني جزء 12 صفحة 213.

(3) الكشاف جزء 2 صفحة 430 - 432.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت