ويرى الإمام ابن تيمية أن الهم اسم جنس تحته نوعان، كما قال الإمام أحمد: الهم همان هم خطرات وهم إصرار، ويوسف صلى الله عليه وسلم هم هما تركه لله ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه وذلك إنما يكون إذا قام المقتضى للذنب وهو الهم وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله فيوسف عليه السلام لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها، ثم بين العلامة ابن تيمية أن ما ينقل من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده وأمثال ذلك فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبًا على الأنبياء وقدحًا فيهم وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا صلى الله عليه وسلم حرفًا واحدًا [1] .
وقد استشهد القاضي أبوبكر ابن العربي بقوله تعالى (آتيناه حكمًا وعلمًا) على عصمة يوسف عليه السلام مما نسبه إليه أصحاب الاتجاه الأول؛ وبين أن خبر الله صادق ووصفه صحيح وكلامه حق فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنا وتحريم خيانة السيد أو الجار أو الأجنبي في أهله فما تعرض لامرأة العزيز ولا أناب إلى المراودة؛ بل أدبر عنها وفر منها؛ وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس والغفلة من العلماء في نسبتهم إليه ما لا يليق به، وأقل ما اقتحموا من ذلك أنه هتك السراويل وهم بالفتك فيما رأوه من تأويل، وحاش لله ما علمت عليه من سوء بل أبرئه مما برأه منه، فقال: ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا الذين استخلصناهم، والفحشاء هي الزنا والسوء هو المراودة والمغازلة فما ألم بشيء ولا أتى بفاحشة، ثم ذكر أن الله سبحانه ما أخبر عنه أنه أتى في جانب القصة فعلًا بجارحة، وإنما الذي كان منه الهم وهو فعل القلب فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثا ويقولون فعل وفعل؟ والله إنما قال هم بها لا أقالهم ولا أقاتهم الله ولا عالهم، ثم حكي ابن العربي أنه كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية وأي إمام يعرف بابن عطاء تكلم يومًا على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته من مكروه ما نسب إليه، فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة، فقال له يا سيدي فإذن يوسف هم وما تم فقال نعم؛ لأن العناية من ثم، فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله وجواب العالم في اختصاره واستيفائه، ولذلك قال علماء الصوفية إن فائدة قوله ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما أن الله
(1) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية جزء 2 صفحة 272 - 273، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، تحقيق: د. محمد السيد الجليند، مؤسسة علوم القرآن-دمشق، الطبعة الثانية، 1404 ه. ومجموع الفتاوى جزء 10 صفحة 296 - 297، كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية.