فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 31

(أولها) : أن الهم لا يكون إلا بفعل للهام، والوقاع ليس من أفعال المرأة فتهم به، وإنما نصيبها منه قبوله ممن يطلبه منها بتمكينه منه، وهذا التمكين هو الذي يثبت به دخول الزوجية الذي تستحق فيه المرأة النفقة من زوجها كما هو مقرر في الفقه.

(ثانيها) : أن يوسف عليه السلام لم يطلب من امرأة العزيز هذا الفعل فيسمى قبولها لطلبه ورضاها بتمكينه منه هما لها، فإن نصوص الآيات قبل هذه الآيات وبعدها تبرئه من ذلك، بل من وسائله ومقدماته أيضا.

(ثالثها) : لو أن ذلك وقع لكان الواجب في التعبير عنه أن يقال: (( ولقد هم بها وهمت به ) )؛ لأن الأول هو المقدم بالطبع والوضع وهو الهم الحقيقي. والهم الثاني متوقف عليه لا يتحقق بدونه.

(رابعها) : أنه قد علم من القصة أن هذه المرأة كانت عازمة على ما طلبته طلبًا جازمًا مصرة عليه، ليس عندها أدنى تردد فيه ولا مانع منه يعارض المقتضي له، فإذن لا يصح أن يقال إنها همت به مطلقًا، حتى لو فرض جدلًا أنه كان قبولًا لطلبه ومواتاة له؛ إذ الهم مقاربة الفعل المتردد فيه، وهو الذي يصح فيما حققناه من إرادة تأديبه بالضرب على أهون تقدير، فهذا هو المتبادر من نص اللغة ومن السياق وأقربه قوله عز وجل: (واستبقا الباب) ، أي: فر يوسف من أمامها هاربًا إلى باب الدار يريد الخروج منه للنجاة منها، ترجيحًا للفرار على الدفاع الذي لا يعرف مداه، وتبعته تبغي إرجاعه حتى لا يفلت من يدها، وهي لا تدري أين يذهب إذا هو خرج ولا ما يقول وما يفعل، وتكلف كل منهما أن يسبق الآخر، فأدركته (وقدت قميصه من دبر) إذ جذبته به من ورائه فانقد [1] .

المطلب الرابع: اتجاه القائلين بأنه لم يقع من يوسف عليه السلام هم ألبتة

يذكر الفخر الرازي أن يوسف عليه السلام كان بريئًا عن العمل الباطل، والهم المحرم، وأن هذا هو قول المحققين من المتكلمين والمفسرين، وبه نقول وعنه نذب، ثم ذكر أنا لا نسلّم أن يوسف عليه السلام هم بها. والدليل عليه أنه تعالى قال: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ) ، وجواب (لَوْلاَ) ههنا مقدم، وهو كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أن فلانًا خلصك [2] ، وجاء في تفسير القرطبي أن يوسف هم بها (لولا أن رأى برهان ربه) ولكن لما رأى البرهان ما هم، وهذا لوجوب العصمة للأنبياء قال الله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) ، فإذا في الكلام تقديم وتأخير أي لولا أن رأى برهان ربه هم بها، قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي

(1) راجع تفصيل ذلك في تفسير المنار جزء 12 صفحة 234 - 236.

(2) راجع مفاتيح الغيب ج 18 ص 93 - 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت