عبيدة فلما أتيت على قوله: (ولقد همت به وهم بها) الآية، قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، كأنه أراد ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها [1] .
ويذكر العلامة أبو حيان أن المفسرين قد طولوا في تفسير هذين الهمين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همّ بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، ولا تقول: إنّ جواب لولا متقدم عليها وإنْ كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول: إن جواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما تقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت، فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل. وكذلك هنا التقدير لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فكان موجدًا لهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفي الهم [2] .
وقد طعن الزجاج فيما ذهب إليه أصحاب هذا الاتجاه الرابع من وجهين:
الأول: أن تقديم جواب (لَوْلاَ) شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح.
الثاني: أن (لَوْلاَ) يجاب جوابها باللام، فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال: ولقد همت ولهم بها لولا. وذكر غير الزجاج سؤالًا ثالثًا وهو أنه لو لم يوجد الهم لما كان لقوله: (لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ) فائدة.
وقد انبري الفخر الرازي للرد على ذلك فقال: واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد، لأنا نسلم أن تأخير جواب (لَوْلاَ) حسن جائز، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب، وكيف وقد نقل عن سيبويه أنه قال: إنهم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى فكان الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطًا بشدة الاهتمام. وأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك مما لا يليق بالحكمة، وأيضًا ذكر جواب (لَوْلاَ) باللام جائز. أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز، ثم إنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين، وهو قوله تعالى: (إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) (القصص: 10) ، ثم أكد الرازي علي أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء، وعدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، ثم نقول: إن الذي يدل على أن جواب (لَوْلاَ) ما ذكرناه أن (لَوْلاَ) تستدعي جوابًا، وهذا المذكور يصلح جوابًا له، فوجب الحكم بكونه
(1) تفسير القرطبي جزء 9 صفحة 165 - 166.
(2) تفسير البحر المحيط جزء 5 صفحة 294 - 295، محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض، شارك في التحقيق: 1) د. زكريا عبد المجيد النوقي، 2) د. أحمد النجولي الجمل، دار الكتب العلمية، لبنان-بيروت، الطبعة الأولى، 1422 هـ-2001 م.