جوابًا له لا يقال إنا نضمر له جوابًا، وترك الجواب كثير في القرآ، لأنا نقول: لا نزاع أنه كثير في القرآن، إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفًا. وأيضًا فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في اللفظ ما يدل على تعينه، وههنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفًا فليس في اللفظ ما يدل على تعين ذلك الجواب، فإن ههنا أنواعًا من الإضمارات يحسن إضمار كل واحد منها، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق. والله أعلم [1] .
وجاء في تفسير ابن عطية أنه قد ذهب قوم إلى أن الكلام تم في قوله (ولقد همت به) ، وأن جواب (لولا) في قوله (وهم بها) وأن المعنى لولا أن رأى البرهان لهم أي فلم يهم عليه السلام، وبيّن ابن عطية أن هذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف. واستشهد بقول الزجاج: ولو كان الكلام ولهم بها لولا لكان بعيدا فكيف مع سقوط اللام [2] .
وقد انبري أيضًا العلامة النحوي أبو حيان للرد على ذلك فذكر أنه لا التفات إلى قول الزجاج (ولو كان الكلام ولهم بها كان بعيدًا فكيف مع سقوط اللام؟) لأنه يوهم أن قول: وهمّ بها هو جواب لولا، ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة لجواز أن ما يأتي جواب لولا إذا كان بصيغة الماضي باللام، وبغير لام تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله: وهم بها هو نفس الجواب لم يبعد، ثم بين أنه لا التفات أيضًا إلى ما قاله ابن عطية، وذلك لأن قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب قال الله تعالى: (إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فقوله: إنْ كادت لتبدي به، إما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدى به.
وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضًا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب، لأنهم قدروا جواب لولا محذوفًا، ولا يدل عليه دليل، لأنهم لم يقدروا لهم بها. ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط، لأنّ ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه. وينتهي أبو حيان إلي أنه قد طهر كتابه هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصر على ما دل عليه لسان العرب،
(1) التفسير الكبير جزء 18 صفحة 94 - 95، راجع عصمة الأنبياء ص 89 - 90.
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز جزء 3 صفحة 235، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي، محمد دار الكتب العلمية-لبنان، الطبعة الأولى، 1413 هـ-1993 م.