فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 31

ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة، وبراءة يوسف عليه السلام من كل ما يشين [1] .

ولذلك فإن العلامة التفتازاني يذكر أن شبهة منكري عصمة الأنبياء في قصة يوسف تتمثل في الهم المشار إليه بقوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها) والجواب على هذه الشبهة يتمثل في أن ذلك قبل البعثة أو المراد وهم بها لولا أن رأى برهان ربه على أن يكون الجواب المحذوف ما دل عليه الكلام السابق ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وبالجملة فلا دلالة ههنا على العزم والقصد إلى المعصية فضلا عما يذكره الحشوية من الحشويات ولهذا ورد في هذا المقام من الثناء على يوسف ما ورد من غير أن تقع عليه زلة أو يذكر له استغفار وتوبة [2] .

ويذكر العلامة النسفي أنها قد همت به هم عزم (وهم بها) هم الطباع مع الامتناع قاله الحسن، وقال الشيخ أبو منصور -رحمه الله- وهم بها هم خطرة ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب ولا مؤاخذة عليه ولو كان همة كهمها لما مدحه الله تعالى بأنه من عباده المخلصين، وينتهي إلى القول: فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام وجاهد نفسه مجاهدة أولى العزم ناظر في دلائل التحريم حتى استحق من الله الثناء ومحل الكاف في (كذلك) نصب أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو رفع أي الأمر مثل ذلك [3] .

ويذكر العلامة أبو السعود أنه قد نص أئمة الصناعة على أن لولا في أمثال هذه المواقع جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقييد للحكم المطلق كما في مثل قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) ، فلا يتحقق هناك هم أصلًا وقد جوز أن يكون وهم بها جواب لولا جريا على قاعدة الكوفيين في جواز التقديم، فالهم حينئذ على معناه الحقيقي، فالمعنى: لولا أنه قد شاهد برهان ربه لهم بها كما همت به، ولكن حيث انتفى عدم المشاهدة بدليل استعصامه وما يتفرع عليه انتفى الهم رأسًا [4] .

وقد تبني الإمام البقاعي هذا الرأي الذي يذهب إلى ان يوسف عليه السلام لم يقع منه هم البتة، فقال: (وهمَّ بها) كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب (لولا أن رأى) أي بعين قلبه (برهان ربه) الذي آتاه إياه من الحكم والعلم، أي: لهمّ بها، لكنه لما كان البرهان حاضرًا لديه حضور من يراه بالعين، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى، فلم يهم أصلًا مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه

(1) تفسير البحر المحيط جزء 5 صفحة 295.

(2) شرح المقاصد في علم الكلام جزء 2 صفحة 195، سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، دار المعارف النعمانية-باكستان، الطبعة الأولى، 1401 هـ-1981 م.

(3) مدارك التنزيل وحقائق التأويل تفسير النسفي جزء 1 صفحة 525 - 526، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي أبو البركات، تحقيق: عبد المجيد طعمه حلبي، دار المعرفة-بيروت، -1429 ه-2008 م.

(4) تفسير أبي السعود جزء 4 صفحة 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت