الله من القوة مع كونه في سن الشباب، فلولا المراقبة لهمّ بها لتوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلًا، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء [1] .
وقد تبني كثير من المفسرين المعاصرين هذا الرأي، أذكر منهم العلامة ابن عاشور الذي دعم هذا الرأي برؤي جديدة حيث يقول: والهم: العزم على الفعل. وتقدم عند قوله تعالى: {وهمّوا بما لم ينالوا} (سورة براءة: 74) . وأكد همّها بـ (قد) ، ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزمًا محققًا. وجملة: (ولقد همت به) مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا. والمقصود: أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة. والمقصود من ذكر هَمّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم، وبيّن أن جملة: (وهَمّ بها لولا أن رأى برهان ربه) معطوفة على جملة: (ولقد همت به) كلها. وليست معطوفة على جملة: (همت) التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام، لأنه لما أردفت جملة: (وهمّ بها) بجملة شرط (لولا) المتمحض لكونه من أحوال يوسف عليه السّلام وحْده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها. فالتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها، فقدم الجواب على شرطه للاهتمام به. ولم يقرن الجواب باللاّم التي يكثر اقتران جواب (لولا) بها لأنه ليس لازمًا ولأنه لمّا قُدم على (لولا) كُره قرنه باللام قبل ذكر حرف الشرط، فيحسن الوقف على قوله: (ولقد همت به) ليظهر معنى الابتداء بجملة (وهَمّ بها) واضحًا. وبذلك يظهر أن يوسف عليه السّلام لم يخالطه همّ بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان [2] .
بطلان ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه الأول: وقد تعقب الإمام الرازي ما ذكره أصحاب الاتجاه الأول، بأن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف وحاشاه من أقبح المعاصي وأنكرها ومثلها لو نسب إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه فكيف يجوز إسناده إلى هذا الصديق الكريم وأيضا إن الله سبحانه شهد بكون ماهية السوء وماهية الفحشاء مصر وفتين عنه ومع هذه الشهادة كيف يقبل القول بنسبة أعظم السوء والفحشاء إليه عليه السلام، وأيضًا إن هذا الهم القبيح لو كان واقعا منه عليه السلام كما زعموا وكانت الآية متضمنة له لكان تعقيب ذلك بقوله تعالى: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) خارجًا عن الحكمة، لأنا لو سلمنا أنه لا يدل على نفي المعصية فلا أقل من أن يدل على المدح العظيم، ومن المعلوم أنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي إقدامه على معصية
(1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، جزء 4 صفحة 30، برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، تحقيق: عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية-بيروت، 1415 هـ-1995 م.
(2) تفسير التحرير والتنوير جزء 12 صفحة 252 - 253، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع-تونس، 1997 م.