فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 31

عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية، وأيضًا إن الأكابر كالأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك واتبعوه بإظهار الندامة والتوبة والتخضع والتنصل، فلو كان يوسف عليه السلام أقدم على هذه الفاحشة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بذلك ولو كان قد إتبعها لحكى وحيث لم يكن علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب أصلًا، وأيضًا جميع من له تعلق بهذه الواقعة قد أفصح ببراءة يوسف عليه السلام عن المعصية كما لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ومن نظر في قوله سبحانه: (إنه من عبادنا المخلصين) رآه أفصح شاهد على براءته عليه السلام ومن ضم إليه قول إبليس: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) وجد إبليس مقرًا بأنه لم يغوه ولم يضله عن سبيل الهدى كيف وهو عليه السلام من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى وقد استثناهم من عموم (لأغوينهم أجمعين) ، وعند هذا يقال للجهلة الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام تلك الغفلة الشنيعة: إن كانوا من أتباع الله سبحانه فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته عليه السلام وإن كانوا من أتباع إبليس فليقبلوا شهادته، ومن أمعن النظر في الحجج وأنصف جزم أنه لم يبق في يد الواحدي ومن وافقه إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ولم يجد معهم شبهة في دعواهم المخالفة لما شهد له الآيات البينات سوى روايات واهيات [1] .

اختلاف العلماء في المراد بالبرهان في قوله تعالى: (لولا أن رأي برهان ربه) :

أما فيما يتعلق بالمراد بذلك البرهان فإن المحققين المثبتين للعصمة قد فسروا رؤية البرهان بوجوه:

الأول: أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب.

الثاني: أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة، فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات.

الثالث: أنه رأى مكتوبًا في سقف البيت {وَلاَ تَقْرَبُوا الزّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا} (الإسراء: 32) .

الرابع: أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، والدليل عليه أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح، فلو أنهم منعوا الناس عنها ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (الصف: 2 - 3) ، وأيضًا أن الله تعالى عير اليهود بقوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} (البقرة: 44) ، وما يكون عيبًا في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد

(1) راجع تفصيل ذلك التفسير الكبير جزء 18 صفحة 93 - 94، 96، وقد لخصه الآلوسي في روح المعاني جزء 12 صفحة 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت