تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف؛ لأنّ قوله: (وَهَمَّ بِهَا) يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أني خفت الله، معناه لولا أني خفت الله.
فإن قلت: كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصدٌ إليها؟ قلت: المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلًا يشبه الهم به والقصد إليه، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم. وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى همًا لشدّته لما كان صاحبه ممدوحًا عند الله بالامتناع؛ لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته. ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين [1] .
وقد تابع كل من أبي السعود والبيضاوي ما ذهب إليه الزمخشري، وإن كانا قد أحكما الصياغة إحكامًا متقنًا، حيث يذكر العلامة أبو السعود أنه عليه السلام (هم بها) أي: بمخالطتها أي مال إليها بمقتضى الطبيعة البشرية وشهوة الشباب وقرمه ميلًا جبليًا لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه قصدها قصدًا اختياريًا، ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته عنه وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه عليه السلام تسجيلًا محكمًا، ويرى أن جواب لولا محذوف يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدته برهان ربه في شأن الزنى لجرى على موجب ميله الجبلى ولكنه حيث كان مشاهدًا له من قبل استمر على ما هو عليه من قضية البرهان وفائدة هذه الشرطية بيان أن امتناعه عليه السلام لم يكن لعدم مساعدة من جهة الطبيعة بل لمحض العفة والنزاهة مع وفور الدواعي الداخلية وترتب المقدمات الخارجية الموجبة لظهور الأحكام الطبيعية [2] .
أما العلامة البيضاوي فيذكر في قوله (ولقد همت به وهم بها) أي وقصدت مخالطته وقصد مخالطتها والهم بالشيء قصده والعزم لعيه ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بالشيء أمضاه والمراد بهمه عليه الصلاة والسلام ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف الله (لولا أن رأى برهان ربه) في قبح الزنا وسوء مغبته لخالطها لشبق الغلمة وكثرة المغالبة ولا يجوز أن يجعل (وهم بها) جواب (لولا) فإنها في حكم أدوات الشرط فلا يتقدم عليها دوابها بل الجواب محذوف يدل عليه [3] .
(1) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، جزء 2 صفحة 429 - 430، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، دار إحياء التراث العربي-بيروت، تحقيق: عبد الرزاق المهدي.
(2) تفسير أبي السعود جزء 4 صفحة 266.
(3) تفسير البيضاوي جزء 3 صفحة 282، البيضاوي، دار الفكر-بيروت.