فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 31

فإذا لم يأكل ولم يشرب ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس والبرهان صرفه عن هذا الهم حتى لم يصر عزما مصممًا، وعلق القرطبي بقوله: هذا قول حسن وممن قال به الحسن [1] ، وقال بعض أهل الحقائق الهم همان هم ثابت إذا كان معه عزم وعقد ورضى مثل هم امرأة العزيز والعبد مأخوذ به وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام والعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل، حيث روي أبو هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال عز وجل:] إذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها سيئة [[2] ، وقد ذكر الطيبي -طيب الله تعالى ثراه- بعد أن نقل ما حكاه محي السنة عن بعض أهل الحقائق أن هذا التفسير هو الذي يجب أن نذهب إليه ونتخذه مذهبًا وإن نقل المفسرون ما نقلوا، وذلك لأن متابعة النص القاطع وبراءة المعصوم عن تلك الرذيلة وإحالة التقصير على الرواة أولى بالمصير إليه على أن أساطين النقل المتقنين لم يرووا في ذلك شيئًا مرفوعًا في كتبهم وجل تلك الروايات بل كلها مأخوذ من مسألة أهل الكتاب، ويري أنه قد صحح الحاكم بعضًا من الروايات التي استند إليها من نسب تلك الشنيعة إليه عليه السلام، لكن تصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند ذوي الاعتبار [3] .

وقد جوز الإمام الرازي أيضًا تفسير الهم بالشهوة وذكر أنه مستعمل في اللغة الشائعة فإنه يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي وهو ما أشرنا إليه أولا أنه عليه الرحمة حمل الهم في الموضعين على ذلك فقال بعد: فمعنى الآية ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لفعل وهو مما لا داعي إليه إذ لا محذور في نسبة الهم المذموم إليها، والظاهر أن الهم بهذا المعنى مجاز كما نص عليه السيد المرتضي في درره لا حقيقة كما يوهمه ظاهر كلام الإمام، وقد ذهب إلى هذا التأويل أبو علي الجبائي وغيره وروي ذلك عن الحسن.

وبالجملة -كما يقول العلامة الآلوسي-: لا ينبغي التعويل على ما شاع في الأخبار والعدول عما ذهب إليه المحققون الأخيار وإياك والهم بنسبة تلك الشنيعة إلى ذلك الجناب بعد أن كشف الله سبحانه عن بصر بصيرتك فرأيت برهان ربك بلا حجاب [4] .

ولعل أول من فصل في هذا القول العلامة الزمخشري حيث يذكر في تفسير قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه) معناه: ولقد همت بمخالطته (وَهَمَّ بِهَا) وهمّ بمخالطتها (لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ) جوابه محذوف،

(1) تفسير القرطبي جزء 9 صفحة 167.

(2) تفسير البغوي جزء 2 صفحة 419 - 420.

(3) روح المعاني جزء 12 صفحة 215 - 216.

(4) روح المعاني جزء 12 صفحة 216 راجع التفسير الكبير ج 18 ص 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت