والمساعي المشكورة كما أخبر الله عنه بقوله تعالى (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [1] ، ويذكر الفخر الرازي أن قوله: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) هو من كلام امرأة العزيز والمعنى: أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق. ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول، وقالت: (وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ) يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئًا عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه. قال صاحب هذا القول: والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضرًا في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لله) ففي تلك الحالة يقول يوسف: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية، ثم إن يوسف يقول ابتداء (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة [2]
ويذكر العلامة الشيح رشيد رضا في تفسير قولها (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) أي ذلك الإقرار بالحق له، والشهادة بالصدق الذي علمته منه، ليعلم الآن - إذ يبلغه عني - أني لم أخنه بالغيب عنه منذ سجن إلى الآن بالنيل من أمانته، أو الطعن في شرفه وعفته، بل صرحت لجماعة النسوة بأنني راودته فاستعصم وهو شاهد، وهأنذا أقر بهذا أمام الملك وملئه وهو غائب، (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) من النساء والرجال بل تكون عاقبة كيدهن الفضيحة والنكال، ولقد كدنا له فصرف ربه عنه كيدنا وسجناه فبرأه وفضح مكرنا، حتى شهدنا له في هذا المقام السامي على أنفسنا. وهذا تعليل آخر لإقرارها على تبرئة نفسها من خيانته بالغيب، اعترفت في الآية التالية بأنها لا تبرئ نفسها من الكيد له بالسجن، وأن ذلك كان من هوى النفس الأمارة بالسوء، لأن المراد منه تذليله لها، وحمله على طاعتها، وفيهما وجه آخر وهو أنها تقول: ذلك الذي حصل أقررت به ليعلم زوجي أني لم أخنه بالفعل فيما كان من خلواتي بيوسف في غيبته عنا، وأن كل ما وقع أنني راودت هذا الشاب الفاتن الذي وضعه في بيتي، وخلى بينه وبيني، فاستعصم وامتنع، فبقي عرضه - أي الزوج - مصونا، وشرفه محفوظا، ولئن برأت يوسف من الإثم فما أبرئ منه نفسي فـ (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) 53
(1) راجع تفصيل ذلك في كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير جزء 15 صفحة 139 - 151، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي
(2) التفسير الكبير جزء 18 صفحة 124 - 125 راجع كتابه عصمة الأنبياء ص 91