فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 31

الله لا يهدي الخائنين وما أبرئ نفسي) تقول المرأة ولست أبرئ نفسي فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته لأن (النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) أي إلا من عصمه الله تعالى (إن ربي غفور رحيم) ، ويؤكد ابن كثير علي أن هذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام وقد حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله فأفرده بتصنيف على حدة [1] ، حيث يذكر الإمام ابن تيمية أن قوله (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) إنما هو من كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة لا يرتاب فيها من تدبر القرآن حيث قال تعالى قبل هذه الآية (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) ، فهذا كله كلام امرأة العزيز ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك ولا سمع كلامه ولا رآه ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) أي لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته فحينئذ (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) ، وقد قال كثير من المفسرين إن هذا من كلام يوسف ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول وهو قول في غاية الفساد ولا دليل عليه بل الأدلة تدل على نقيضه [2]

وينتهي الإمام ابن تيمية إلي القول بأن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عن نبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر توبته منه ولهذا كان الناس في عصمة الأنبياء على قولين أما أن يقولوا بالعصمة من فعلها وأما منه بعض مقدماتها مثل ما يذكرون أنه حل السراويل وقعد منها قعد الخاتن ونحو هذا وما ينقلون في ذلك ليس هو عن النبى ولا مستند له فيه إلا النقل عن بعض أهل الكتاب وقد عرف كلام اليهود في الأنبياء وغضهم منهم كما قالوا في سليمان ما قالوا وفي داود ما قالوا فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه، والقرآن قد أخبر عن يوسف من الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره فلو كان يوسف قد أذنب لكان إما مصرا وإما تائبا والإصرار ممتنع، فتعين أن يكون تائبا والله لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفار كما ذكر عن غيره من الأنبياء فدل ذلك على أن ما فعله يوسف كان من الحسنات المبرورة

(1) تفسير القرآن العظيم جزء 2 صفحة 482

(2) دقائق التفسير جزء 2 صفحة 273 مجموع الفتاوى جزء 10 صفحة 298

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت