فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 31

باللبث في السجن إذ الناسي غير مؤاخذ وأجاب أهل القول الأول بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب

وقد رد عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى: (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة) ، فدل على أن الناسي هو الساقي لا يوسف مع قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الحجر فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان وليس له على الأنبياء سلطنة قيل: أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلغونه فإنهم معصومون فيه وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقا وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم قال صلى الله عليه وسلم:) نسي آدم فنسيت ذريته) وقال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) [1]

ويري الإمام ابن تيمية إلي أن الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه وهذا هو الصواب فإنه مطابق لقوله (اذكرني عند ربك) قال تعالى (فأنساه الشيطان ذكر ربه) والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه بل كان ذاكرا لربه دائما، ثم بعد أن قضى تأويل الرؤيا (قال للذي نجا منهما اذكرنى عند ربك) فكيف يكون قد أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه وإنما أنسى الشيطان الناجي ذكر ربه أي الذكر المضاف إلى ربه، فتبين أن قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي نسي الفتى ذكر ربه أن يذكر هذا لربه ونسي ذكر يوسف ربه والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول ويوسف قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر الخاص فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه وأنساه الشيطان تذكير ربه، ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) وقوله (وادكر بعد أمة) دليل على أنه كان قد نسي فادكر [2] ، وقد رجح الحافظ ابن كثير هذا القول الثاني بعد أن بين ضعف الحديث الذي اعتمد عليه أصحاب القول الأول، فيقول: ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج قال له يوسف خفية عن الآخر والله أعلم لئلا يشعره أنه المصلوب قال له (اذكرني عند ربك) ، يقول اذكر قصتي عند ربك وهو الملك فنسى ذلك الموصي أن يذكر مولاه الملك بذلك، ويري أن هذا كان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي الله من السجن، وينتهي إلي أن هذا هو الصواب، وأكد علي أن الضمير في قوله (فأنساه الشيطان ذكر ربه) عائد على الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد [3] ويذكر

(1) تفسير القرطبي جزء 9 صفحة 196 - 197

(2) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير جزء 15 صفحة 112 - 118 أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي

(3) تفسير ابن كثير جزء 2 صفحة 480

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت