إن المعتزلة وإن قالت بأن الرؤية بالأبصار على الله تستحيل، إلا أن الرؤية بالمعرفة والعلم تجوز عليه، واستدلوا على ذلك بجهة السمع كقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} -الأنعام: 103 - فلما كان إدراك الأبصار هو رؤية البصر، ولأن البصر لا يرى به إلا ما كان في جهة دون جهة-تعالى الله عن ذلك لأن ذلك علامة الحدوث- فيجب أن لا يرى بالأبصار وإنما يرى بالقلوب والمعرفة والعلم. [1] فلا يصح أن يقال: رأيته وما أدركته بعيني، أو يقال: أدركته بعيني وما رأيته، ومعنى هذا أن إدراك البصر والرؤية شيء واحد.
أما"الإدراك"إذا لم يقترن بالبصر فإنه يفيد معنى"اللحوق"فيقال:"أدرك الغلام إذا بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت، وأدرك فلان فلانا إذا لحقه، وقال سبحانه: {حتى إذا أدركه الغرق} -يونس: 90 - يعني لحقه الغرق، و {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} -الشعراء: 61 - يعني لملحقون. وقد يقال عند الإطلاق: أدركت الحرارة والبرودة، وأدركت الصوت، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر، ومتى قرن به زال الإحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر. فإذا صح ذلك فيجب أن يكون قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} في باب الدلالة على أنه لا يرى بمنزلة قوله لو قال: لا تراه الأبصار. على أنه كما لا تحيط به الأبصار فكذلك لا يحيط هو بالأبصار، لأن المانع عندهم عن ذلك في الموضعين واحد، لأنه تعالى تمدح بنفي الرؤية عن نفسه، فلا بد من أن يحصل على وجه يقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات حتى يدخل في باب التمدح. [2] وهذه الآية عامة في دار الدنيا ودار الآخرة لا تحتمل التخصيص عندهم."
وخالفهم في ذلك أهل السنة حيث أجمعوا على الإيمان بالنظر إلى وجه الله الكريم في يوم القيامة بأبصارهم، واستدلوا على ذلك بأدلة من القرآن والسنة والإجماع. وأما قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} فهي عند أهل السنة تعني في الدنيا دون الآخرة، ذلك أن مشركي قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} -الإسراء: 92 - فأنزل الله سبحانه يخبر أنه لا تدركه الأبصار أي أنه لا يراه أحد في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يرونه. [3]
(1) - {الأصول الخمسة} أبي الحسن عبد الجبار الأسد أبادي، تحقيق فيصل بدير عون، مطبوعات جامعة الكويت، الطبعة الأولى 1998 م. ص: 74.
(2) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 240 - 241.
(3) - {مسائل الإمام أحمد} رواية أبي داود السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، تحقيق: أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، مكتبة ابن تيمية، مصر، الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م. ص: 59