جاءته الملائكة تزفُّ إليه البشارةَ بيحيى - عليه السلام - الذي منحه الله هذا الاسم الحسن وجعل له حظًّا عظيما منه.
(لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) أي لم نجعل له شبيها من أهل عصره في أحواله وصفاته، أو لم نجعل له من قبل من يشاركه في هذا الاسم 0
"وللأسماء المبتكرة الفريدة مزايا منها، قوة تعريف المسمى بها لقلة الاشتراك، إذ لا يكون مثله كثيرا مدة وجوده، وكذلك مزيةُ اقتداء الناس به من بعد، حين يسمُّون أبناءهم ذلك الاسم تيمُّنا واستجادة" [1] .
أما عن سر التسمية بهذا الاسم، فلقد قيل: لأن الله أحيا قلبه بالإيمان والطاعة، فالإيمان حياة القلوب، والطاعة زادها، وقيل لأن الله أحيا قلبه بالنبوة، وقيل لأن الدين يحيا به، وزكريا - عليه السلام - طلبه من أجل الدين، [2] ، أو لأنه يموت شهيدا، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون 0
وهذه الوجوه كلها صحيحة، فلقد أحياه الله - عز وجل - بالإيمان والنبوة، وأحيا به القلوب، وجدد به الدين، ونال الشهادة في سبيل الله 0
موقف زكريا - عليه السلام - من هذه البشارة
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) }
دعا زكريا - عليه السلام - ربه أن يرزقه الولد فاستجاب المولى - عز وجل - لدعائه، وجاءته الملائكة تبشره بغلام يرث النبوة والصلاح عنه، ولقد كانت البشرى مفاجأةً لزكريا - عليه السلام -، فقال متعجبا من هذه البشارة، وشاكرا المولى - عز وجل - على هذه النعمة، ومتسائلا عن كيفية تحققها ووقت وقوعها: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) }
تساءل زكريا - عليه السلام - عن كيفية وقوع هذه البشارة هل سيعود إلى شبابه هو وزوجته؟ أم سيعود له شبابه ويتزوج بامرأة أخرى تكون ولودا؟
(1) - التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 16/ 69 0
(2) - يراجع: التفسير الكبير للإمام الرازي 8/ 146